عبد الملك الجويني
158
الشامل في أصول الدين
فكذلك لا يبعد أن نقول : الحياة شرط في السواد الذي هو علم ، من حيث كان علما ، لا من حيث كان سوادا . وهذا الاعتراض سديد . واعترض أيضا على قول القائل : إن السوادين اللذين اتصف أحدهما بكونه علما ، ولم يتصف الثاني به ، لا يخلوان من التماثل والاختلاف على طردنا الدلالة . فقال معترضا : بم ينكر المستدل بذلك على من يزعم أنهما متضادان ، مختلفان ، ولا يجب من تضادهما اختلافهما من كل وجه ، فإن المثلان ضدان عند أهل الحق ، إذ كما يستحيل اجتماع السواد والبياض في المحل الواحد ، فكذلك يستحيل اجتماع السوادين . فإذا لم يبعد تضاد مثلين من كل وجه ؛ لم يبعد أيضا تضاد مثلين من وجه ، مختلفين من وجه . وهذا الاعتراض سديد أيضا ، ولعلنا نعيد طرفا من ذلك عند إيتائنا الأحوال ، وذكرنا طرق الاعتراض على مثبتيها . فصل [ توضيح حقيقة المختلفين ] فإن قال قائل : قد قدمتم فيما ذكرتم حقيقة المثلين ، ورددتم على مخالفيكم ، فأوضحوا الآن حقيقة المختلفين . قلنا : المختلفان : كل شيئين تخصص أحدهما عن الثاني بصفة نفس ، فخرج عن قضية ذلك أنا لا نشترط في تحقق اختلاف الذاتين عموم الاختلاف في جملة صفات النفس . والذي يوضح ذلك : أنا حكمنا بمخالفة الجوهر للعرض ، لما تحقق اختصاصه بصفة نفس لا تثبت للعرض . ولا تكاد تخفي مشاركة الجوهر للعرض في كثير من صفة النفس كالوجود ، والحدوث ونحوهما . وكذلك إذا حكمنا بمخالفة السواد البياض لاختصاصه بكونه سوادا ، وانتفاء هذه الصفة عن البياض . فنعلم أنهما يشتركان في كونهما عرضين ، لونين ، حادثين . فخرج من مضمون ما قلناه : إن من حكم التماثل : الاشتراك في جملة صفة النفس ، كما سبق إيضاحه ، وليس من شرط المختلفين الاختلاف في جملة صفات النفس . فإن قيل : فإذا زعمتم أن السواد والبياض يختلفان من الوجه الذي قلتم وذكرتم أنهما لا يختلفان في الوجود ، والحدوث ، والعرضية ، واللونية ، فقولوا إنهما متماثلان في هذه الصفات لاشتراكهما فيها . قلنا : قد قدمنا في ذلك قولا مقنعا ، وإنما أعدنا السؤال لزيادة رمناها ، وهي أن القاضي قال : لو أطلق مطلق لفظ التشابه في بعض الصفات التي اشترك فيها الحادثان . وقيد التشابه به ، فقد أصاب في المعنى ، وما قاله غير مستنكر لغة أيضا . وإنما الكلام في