عبد الملك الجويني

156

الشامل في أصول الدين

أصلها ، كان تناقضا ، إذ لا يسوغ التفصيل إلا بعد إثبات الأصل . ومما يوضح ما قلناه : أن العرض الواحد لو كان سوادا ، علما ، لشرط في وجوده الحياة من حيث كان علما ، ولم تشترط فيه الحياة من حيث كان سوادا ، فيؤدي ذلك إلى أن يكون وجوده مشروطا غير مشروط . ومما تمسك به القاضي أن قال : لو قدرنا سوادا هو حلاوة ، وسوادا ليس بحلاوة ، لم يخل إما أن يكونا مثلين أو خلافين ضدين ، أو خلافين ليسا بضدين . وباطل أن يكونا مثلين ، فإن المثلين حكمهما أن يسد أحدهما مسد الثاني . وإنما يتحقق ذلك مع الاشتراك في جملة صفات النفس . ولو قيل : إنهما ضدان خلافان ، كان ذلك باطلا أيضا ، فإن من حكم كل خلافين ضدين أن يتضادا على المحل في كل صفة اختلفا فيه ، وهذا كالسواد والبياض ، فإنهما لما اختلفا وتضادا ، لزم أن يتناقضا في خواصهما . ولو قيل : إنهما مختلفان وليسا بضدين ، ولزم تجويز اجتماعهما في المحل الواحد ، ولو اجتمعا في المحل الواحد ، وطرأ بياض ، فلا شك أنه يضاد السواد الذي ليس بحلاوة وينفيه . ثم لا يخلو الخصم بعد ذلك إما أن يقول : إن البياض لا يضاد السواد الذي هو حلاوة ، فيلزم من ذلك اجتماع السواد والبياض في المحل الواحد . وإن قال : إنه يضاده من حيث كان سوادا . قيل له : يجب أن لا يضاده من حيث كان حلاوة ، إذ ليس اعتبار أحدهما أولى من الثاني . واعلموا - وفقكم اللّه - أن ابن مجاهد « 1 » - رضي اللّه عنه - من أشد الناس في نفي الأحوال . وقد قال رضي اللّه عنه : من نفى الحال ، استقام له نفي ذلك . وذلك أن الحلاوة والسواد وجودان ، ولا يتقرر في المعقول ثبوت وجودين لموجود واحد ، إذ الوجود نفس الموجود ، فتقدير الوجودين لواحد ، كتقدير الشيئين شيئا واحدا ، ولا يستقيم معناه ، ولا يستقيم ذلك مع ما قاله من ينفي الأحوال منها ذلك مع القول بإثبات الأحوال . فإن مثبت الأحوال يزعم أنها أوصاف زائدة على الوجود ، فكما لا يمتنع أن يثبت للّه علم مختص

--> ( 1 ) أحمد بن موسى بن العباس التميمي ( 245 - 324 ه - 859 - 936 م ) أبو بكر بن مجاهد كبير العلماء بالقراءات في عصره . من أهل بغداد . وكان حسن الأدب ، رقيق الخلق ، فطنا جوادا . له « كتاب القراءات الكبير » وكتاب « قراءة ابن كثير » و « قراءة حمزة » و « قراءة نافع » وغير ذلك . الأعلام 1 / 261 ، وغاية النهاية 1 / 139 ، وسير أعلام النبلاء 18 / 45 .