عبد الملك الجويني

154

الشامل في أصول الدين

يكن أحدهما بالثاني ، فهذا ساقط لا محصول له ؛ إذ لو كان الاشتراك في صفة الإثبات يوجب التشابه ، لوجب ذلك في القديم والحادث لاشتراكهما في الوجود كما صار إليه الباطنية والفلاسفة ؛ إذ الوجود صفة إثبات كالحدوث . والجوهر والسواد - وإن اشتركا في الحدوث ، واختلفا فيما عداه من صفات النفس ، كما أن الوجود تحقق للقديم والحادث - لم يختلفا في حقيقة الوجود ، وإنما اختلفا فيما عداه من الأوصاف . وأما ما قيد به النجّار كلامه من قوله : إذا لم يكن أحدهما الثاني ، فتقييد لفظ لا يعصمهم عما يراد به في بقية المعاني ، فإن المجتمعين في صفة إثبات ( وإن لم يكن أحدهما بالثاني ، لم يشتركا إلا في صفة إثبات ) . والحادث مع القديم مشتركان في صفة الوجود ، وليس يمنع كون أحدهما بالثاني ، اجتماعهما في صفة الإثبات ، وإنما يتلقى التماثل من الاجتماع في الصفة . وأما كون أحد الشيئين بالثاني ، فالمصير إلى أنه ليس مما يؤثر في تشابه وتماثل ، فإما المصير إلى ما صار إليه الفلاسفة ، وإما الاضراب عن هذا المذهب جملة . وأما ما صار إليه بعض المتكلمين في نفي التماثل جملة ، فلا محصول له عند التحقيق . فإن أقصى ما تمسك به ، أن وجود أحد البياضين لا يسد مسد وجود البياض الثاني ، فإن أحد البياضين لو عدم عن محله في حال وجود البياض الآخر في محله ، لم يقتض وجود ذلك البياض ابيضاض محل البياض الذي عدم ، فدل أن أحد البياضين لا يسد مسد الثاني . وهذا الذي قاله لا محصول له ، فإنه لا بد من أن أحد البياضين عين الثاني ، وكيف يسوغ تقدير الشيئين شيئا واحدا ؟ ! وإذا قدرناهما شيئين حادثين ، لم نمنع وجود أحدهما مع عدم الثاني ، وإنما الذي نعنيه بتماثل المتماثلين أن كل واحد منهما يثبت له من صفة النفس مثل ما يثبت للثاني ؛ إذ أحد البياضين حادث ، عرض ، لون ، بياض كالثاني . وإن أنكر الخصم ذلك ، فقد جحد الضرورة . وإن اعترف به ، فهو ما نريده بالتماثل ، فتؤول المناقشة إلى العبارة ، وإطلاق العبارة يتلقى : إما من اللغة ، وإما من الشرع ، وتسمية البياضين مثلين ، غير مستنكر لغة ولا شرعا . فصل [ هل يجوز مشاركة شيء شيئا ؟ ] فإن قال قائل : هل يجوز - على قضية أصلكم - مشاركة شيء شيئا في أخص وصفه مع اختلافهما ؟