عبد الملك الجويني

151

الشامل في أصول الدين

وصف الوجود ، فقرره في سائر الصفات العامة . فإنه كما وجب مخالفة الوجود الوجود لما اختص به من وصفه ، فكذلك يجب مخالفة اللون اللون ، فإن السواد في كونه لونا مختص بصفة السوادية ، كما أنه في وجوده مختص بها ، ثم وجب مخالفة الوجود للاختصاص بها ، فيجب المخالفة في صفة اللونية بمنزلة ذلك ، إذ إضافة الأخص إلى كل وصف عام ، كإضافته إلى الوجود . ويعضد ذلك بأن نعلم أن الأحوال عند مثبتيها لا تختلف ولا تتماثل ، فإنها لا توصف بالوجود ولا بكونها ذوات ، فاستحال اتصافها بالتماثل والاختلاف ، وتحقق أن الذي يوصف بالتماثل والاختلاف الذوات التي لها الأحوال . ثم يقع الاختلاف على هذه الطريقة بالأخص ، وهو يعم في اختصاصه جملة صفات العموم ، فهذا أقصى ما يقال في ذلك . واعلموا أن الكلام في هذا الفصل سهل المدرك عند الرد إلى التحقيق . فإن غرضنا بكل ما قدمناه أن نوضح تقديس الرب عن الحدث ، وعن كل صفة دلت على الحدث . فهذا أقصى مرامنا بنفي التشبيه والتمثيل . فلو قال قائل : إذا ثبت الوجود للّه تعالى ، واتصف الحادث بالوجود أيضا ، فقد تشابها في صفة الوجود . واعترف بأن الاشتراك في هذا الوصف ليس باشتراك في حدث ، ولا في صفة دلت على حدث ، فقد تحقق المعنى . وتحكم في إطلاق لفظ التشبيه مراغما فيه إجماع الأمة ، فتمنع عن إطلاق اللفظ سمعا وإجماعا ، وإن صح معتقده من حيث المعنى ، فاستبان بذلك أن الكلام في هذا الفصل يرجع في مآله إلى تناقش في لفظ ، وتناقش في إطلاق عبارة ، وسبيل إطلاق العبارة والمنع منه الشرع ، فلم يبق ريب في شيء من أطراف الكلام ، ووضح غاية الأغراض وقصاراها . فصل مشتمل على الرد على من قال : المثلان كل مشتركين في صفة الإثبات والأولى بنا البداية بالفلاسفة والباطنية حيث قالوا : لا نصف الرب بالوجود ، إذ لو وصفناه به لوجب كونه مماثلا للحوادث . وسبيل الكلام عليهم من أوجه : أحدها : أن نسائلهم عن إثبات الصانع ، وافتقار الصنع إليه . فإذا اعترفوا بذلك ، أقمنا عليهم واضح البراهين في وجوب الوجود للصانع ، وحققنا عليهم استواء القول بنفي الصانع ، والقول بنفي وجوده . وسيأتي ذلك في صدر الصفات ، إن شاء اللّه . فإذا ثبت ذلك