عبد الملك الجويني
148
الشامل في أصول الدين
القول في المختلفين . وهؤلاء زعموا أن الاختلاف والتماثل إنما يتحققان في الجواهر دون الأعراض . ثم حقيقة أصولهم : أن كل جوهرين قام بأحدهما من الأعراض ، بما هو في حكم المماثلة ، لما قام بالثاني ، فهما متماثلان لاستواء أعراضهما . وإذا قام بأحدهما عرض هو في حكم المخالفة للعرض القائم بالثاني ، فهما مختلفان . وهؤلاء لم يصيروا إلى أن التماثل والاختلاف عرضان مغايران لسائر أجناس الأعراض ؛ بل يعنون بالمعنى الذي أطلقوه ، المتفق عليه من أجناس الأعراض . ومقتضى أصلهم أنه لا يتحقق بين العرضين اختلاف ولا تماثل ، فإنهما لو تماثلا أو اختلفا ، أفضى ذلك إلى قيام عرضين بهما على موجب أصلهم . وذهب أبو الهذيل العلاف « 1 » إلى أن السواد والبياض خلافان ، وكل واحد منهما خلاف للآخر ، وليسا مختلفين ، وليس واحد منهما مخالفا للآخر ، وإنما المختلفان الجوهران اللذان قام بهما خلافان . والدليل على فساد المصير إلى أن المختلفين مختلفان لمعنيين أن نقول : السواد مع البياض لا يخلو القول فيهما : إما أن يقال إنهما متماثلان أو مختلفان ، أو لا متماثلان ولا مختلفان . فإن زعم الخصم أنهما مختلفان ، فقد سلم المسألة حيث أثبت الاختلاف بين العرضين ، مع القطع باستحالة قيام العرضين بالعرضين . وهذا تصريح بنفي تعليل الاختلاف بالأعراض عموما ، فإن كل حكم ثبت غير معلل في حالة ، لزم أن يكون غير معلل أبدا . وإن زعم الخصم أن السواد والبياض مثلان ، فقد خرج عن المعقول ، وسلم المسألة [ في ] ذلك ، حيث أثبت حكم التماثل بين العرضين ، مع الاعتراف باستحالة قيام العرض بالعرض . وإن زعم الخصم أنهما ليسا مثلين ولا خلافين ، أوضحنا له حقيقة أصلنا في المثلين والخلافين . وقلنا : مرادنا بالمثلين : كل شيئين سد أحدهما مسد الآخر . ومرادنا بالخلافين نقيض ذلك . أفتزعمون أن البياض والسواد يسد أحدهما مسد الثاني ، أم لا يسد مسده ؟ فإن قلتم : إن أحدهما لا يسد مسد الثاني ، فقد وافقتمونا في المعنى الذي أردناه بالاختلاف ، ورجعت المناقشة إلى إطلاق لفظة أو منعها . وإطلاق الألفاظ مدركه اللغات . ونحن نعلم أن من قال : السواد يخالف البياض ، لم ينكر عليه مقاله في تجاوز أهل اللسان ،
--> ( 1 ) أبو الهذيل العلاف ( 135 - 226 ه ) مولى عبد القيس ، وشيخ المعتزلة البصريين . الملل والنحل ص 38 .