عبد الملك الجويني
14
الشامل في أصول الدين
فصل [ هل يجوز أن يكون النظر شرط في العلم ] فإن قال قائل : قد قدمتم أن النظر يتضمن العلم إذا صح ، فهل يجوز إطلاق القول بأنه شرط في العلم المقدر . قلنا : هذا مما اختلفت [ فيه الأئمة ، فذهب فريق من المتقدمين إلى ] « 1 » تسميته شرطا ، واستدل بأن الشرط [ إن لم يكن ] « 2 » شرطا في العلم ، لم يتضمنه . فلو كان [ النظر شرطا في العلم لجرى ذلك ] « 3 » مجرى الحياة مع العلم ! واستدل أيضا بأن قال : من حكم الشرط وجوده مع المشروط ، كالحياة مع العلم ، ولا يتصور مقارنة النظر للعلم ، فخرج عن كونه شرطا فيه . وأطلق القاضي رضي اللّه عنه اسم الشرط على النظر وقال : كل ما يتوقف ثبوته على أمر ، ولم يكن ذلك الأمر موجبا له فهو شرط فيه . ثم الشروط تنقسم : فمنها ما يقارن المشروط ، ومنها ما يشترط تقدمه ، وانفصل عن ما استدل به القائل الأول حيث قال : الشرط لا يتضمن مشروطه . فقال مجيبا : فهذه دعوى ، ولم ننكر على من يقسم الشرائط ، فيجعل بعضها متضمنة للشروط ، وإن لم يتضمن سائرها ذلك . ولا يرجع هذا القائل إلى محصول عند التحقيق والمطالبة . ثم قال رضي اللّه عنه : الحياة - كما أنها شرط في العلم - فهي شرط في الجهل والتشكك وغلبة الظن ، ولا بد من حصول العلم أو حصول بعض أضداده ، ثم تضمن الحياة أحد الأضداد ، لا يمنع كونها شرطا فيها ، فكذلك تضمن النظر للعلم على التعيين ، ينبغي أن لا يمنع كونه شرطا . وأما ما تمسك به من أن الشرط يقارن مشروطه ، فهو دعوى أيضا . على أنه يقال له : إن لم يبعد تعلق العلم بالنظر تضمنا وارتباطا مع تقدم النظر ، فلا يبعد تعلقه به شرطا . فصل [ الحديث عن العلوم النظرية ] ما صار إليه معظم المحققين أن العلوم النظرية تقع مقدورة مكتسبة للعباد . وذهب بعض النظار إلى أن العلوم الواقعة بعقب النظر تقع ضرورية مرتبة على أسباب وليس من
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .