عبد الملك الجويني

124

الشامل في أصول الدين

فصل [ وجوه الانفصال عن مطاعن أهل الزيغ ] مشتمل على مطاعن أهل الزيغ ووجوه الانفصال عنها . اعلموا عصمكم اللّه أن المعتزلة وجهوا ضروبا من الأسئلة على كلام شيخنا يتعلق بعضها بالمناقشة باللفظ ، وبعضها بالترتيب في حكم النظر والجدل ، وبعضها بالمعاني . فمما سألوه أن قالوا : ذكر سؤالا عاما وجوبا خاصا ، ولا يحسن ذلك في مقتضى التفاوض ، بل ينبغي أن يستوعب السؤال الجواب أو يزيد عليه . وقد قال : لو سأل سائل فقال : ما الدليل على أن للخلق خالقا ؟ ثم قال في الجواب : بتأمل الإنسان أحواله وأطواره ، فاختص جوابه ببعض المخلوقات ، والسؤال عن جميعها . ومن أسئلتهم أن قالوا : قد وجه على نفسه المطالبة بإقامة الأدلة على افتقار الخلق إلى الخالق ، ثم تعرض لنفي كون الإنسان خالقا . وهذا الجواب لا يلائم السؤال ، فإنه ما سأل نفسه نفي صفة الخالقين عن بعض الموجودات . ومن أسئلتهم [ ما ] قد نكس الترتيب المعروف وعكس النظم المألوف في المصنفات ، حيث رام إقامة الدليل على الصانع قبل إثبات الصنع ، والفعل . والترتيب يقتضي إثبات الحوادث والأفعال ، ثم إثبات افتقارها إلى المحدث . والغرض من إقامة الدلالة على إثبات الصانع ، الرد على الدهرية القائلين بقدم العالم ، فكان تثبيت حدث العالم أولا أولى . ومما اعترضوا عليه أن قالوا : لم يذكر صاحبكم أدلة تقنع ، ولا اقتصر على مجرد المقالات ، فلا هو أضرب عن الحجاج ، ولا احتج احتجاجا سديدا . وأقصى ما تمسك به استجهال من انتظر بناء من غير بان ، وكتابة من غير كاتب ، وهذا اكتفاء بمحض الدعوى . ومن أسئلتهم أن قالوا : الكتابة والبناء عنده لا يقعان مقدوران للعباد ، إذ من أصله أن العبد لا يقدر على ما يقع مباينا لمحل قدرته ، فلا يتعلق البناء بالباني على قضية أصله لا اكتسابا ولا اختراعا . ولا معنى للاستشهاد بما يخالف أصله ، وإن كان يستشهد باطراد العادة في وقوع الكتابة على حسب قصد الكاتب ، فلا معنى للاستشهاد باستمرار العادات على منكري التوحيد مع الاعتراف بأن خرق العادة ممكن سائغ . وعضدوا ذلك بأن قالوا : كما يستبعد في العادة حدوث بناء غير متعلق بباني ، فكذلك نستنكر حدوث بناء بقدرة اللّه بدءا من غير قصد قاصد منا مع تقدير واطراد العادات . ومما سألوه أن قالوا : أليس من أصلكم أن ما لا يقدر عليه ، لا يعجز عنه أصلا ؟ وقد