عبد الملك الجويني
12
الشامل في أصول الدين
السماوات والأرض ولم يحدث عاقلا ينظر ويستدل فلا تخلو الحوادث إما أن تكون أدلة مع انتفاء المستدلين أو لا تكون أدلة . فإن لم تكن أدلة وجب أن لا تدل أيضا عند وجود العقلاء ، إذ من المستحيل انتفاء صفة نفس في حال وثبوتها في أخرى ، ولو ساغ ذلك لساغ خروج الجوهر عن تحيزه في بعض الأحوال مع بقاء ذاته . وإن زعم الخصم أنها أدلة ، قيل له : فلا يتصور ثبوت الدليل من غير ثبوت المدلول . فلو كان المدلول علما لاستحال ثبوته مع انتفاء المستدلين ، فدل على أن المدلول ليس هو علم الناظر . والذي يوضح ذلك أن الأدلة لا ترجع إلى علوم النظار اجماعا ، وهي تنقسم إلى الوجود والعدم على ما سيأتي ترتيب الأدلة إن شاء اللّه . فلو جاز المصير إلى أن المدلول هو العلم جاز المصير إلى أن الأدلة هي العلوم . فليس أحد القائلين بمقالة أولى من الثاني . وأما الذي تمسك به ناصر المذهب الأول من أن الدليل يتضمن المدلول فهو ذلة منه ، فإن الدليل عند المحققين يتعلق بالمدلول ولا يتضمنه والإحاطة بوجه تعلق الدليل بمدلوله تتضمن العلم وقد لا تتضمن العلم والتعلق إلى الدليل . ولم يسلم الخصم ما رامه من أن الدليل يتضمن المدلول . وأما ما استدل به من أن وجوه التعلق مضبوطة عند العقلاء وليس من جملتها تعلق الحدث بالفاعل ، فيقال له : هذا اقتصار على استبعاد من غير دليل . فبم تنكر على من يزعم أن من وجوه التعلق تعلق الفعل بالفاعل ، ولئن ساغ تعلق الفعل بالعلم بالفاعل ، ساغ تعلقه بالفاعل . وأما ما تشبثوا به من أن العلم بالمدلول ينافي صحة النظر على ما قدروه ولا مستروح فيه . فإنا نقول : من شرط صحة النظر عدم العلم بالمنظور فيه ، وليس كل ما كان شرطا في صحة النظر وجب المصير إلى أنه المدلول ، فاستبان اكتفاء الخصم بدعواه . وهذا الاختلاف يهون مدركه ومآله يرجع إلى التناقش في عبارات . فصل [ القول بالأحوال ] فإن قال قائل : إذا نصرتم القول بإثبات الأحوال على ما سيأتي شرحها إن شاء اللّه ، فهل تثبتون للناظر حالا . قلنا : إذا نصرنا القول بالأحوال فلا بد من إثباتها للناظرين ، إذ كل وصف شرط في