عبد الملك الجويني

115

الشامل في أصول الدين

طلبات ، تضاهي مقاصده ، ثم كل ما قدمه من التشغيبات ليس يتوجه على ما ارتضاه شيخنا حيث قال : الحادث هو المتأخر عن الأزلي . وأول ما اعترض به على قول من قال : الحادث ما لوجوده أول ، فلا محصول له . ولصاحب الحد أن يقول : أثبت الحادث أولا هو غيره ، ويشير به إلى حادث متقدم عليه . وإن سئل عن أول الحوادث فوجود الباري سبحانه وتعالى سابق له ، وهو أول من وجود الحادث . والأحسن أن تصرف الأولية إلى ما يتعلق بنفس الحادث ، ويكون تقدير قول القائل : الحادث ما لوجوده أول ، أي الحادث يختص وجوده بالوقت الأول ، فترجع الأولية إلى الأوقات أو تقديرها . ولا معنى للاطناب في العبارات مع وضوح المقصد منها . فإن قال قائل : الحدوث عين وجود الحادث أن وصف زائد عليه ؟ فإن كان عين وجود الحادث ، وجب أن يكون العالم بوجود الحادث عالما بحدوثه ، وإن كان يرجع إلى وصف زائد عليه ، لم يخل إما أن يكون ذلك الوصف وجودا أو عدما . فإن كان السؤال من الدهرية ، فقد سلف الجواب عنه . وإن رام السائل استرشادا ، فقد اختلف جواب الأئمة . فالذي ارتضاه القاضي رضي اللّه عنه : أن الحدوث عبارة عن معلومين : أحدهما وجود . والثاني : عدم ، ولا يجب من الإحاطة بأحدهما العلم بالثاني . ولا نستنكر العلم بالوجود اضطرارا من غير علم بالحدوث ، إذا لم يتبين للعالم بالوجود عدم قبله . وصار معظم الأئمة إلى أن الحدوث ينبئ عن وجود مخصوص ، وقد يعرف الشيء في وصف عموم من يجهله في وصف خصوص . وأسد الطرق ما ارتضاه القاضي ، إذ الحدوث ليس بحال عنده ليتحقق الجهل بها مع العلم بالذات ، ولا بد من تقدير معلومين يتعلق بهما علمان مختلفان . فهذه جملة مقنعة في إثبات حدث العالم بسطا وإيجازا وضربا في المشروح من الطرق والموجز منها . وقد أشرنا إلى معظم المقاصد في أطراف المسألة عند الأكوان ، ونحن ذاكروها عند نفي التشبيه والتجسيم ، والقول في التأليف ومعناه إن شاء اللّه تعالى . القول في إثبات العلم بالصانع اعلموا وفقكم اللّه أن أئمة الأصول سلكوا مسلكين في التوصل إلى العلم بالصانع . فسلك بعضهم طريق الاستدلال على الجملة ، وسلك آخرون طريق إسناد العلم بالمحدث إلى ضرورات العقول وبدائهها مع تقدير العلم بحدث العالم . ونحن نوضح منهاج الحجاج أولا ، ثم ننعطف على إيضاح الطريقة الثانية إن شاء اللّه عز وجل . والعبارات وإن اختلفت أو تباينت في نصب الدلالة على المحدث ، فمرجع جميعها إلى نكتة واحدة ، وهي أن يقال : ما كان بعد أن لم يكن ، واختص كونه بوقت أو تقدير وقت