ابن قيم الجوزية

94

الروح

فسار وسار معه جبريل [ عليه السلام ] « 1 » فأتي على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم ، كلما حصدوا عاد كما كان ، فقال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء [ المهاجرون ] « 2 » في سبيل اللّه يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ « 3 » ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر ، كلما رضخت عادت كما كانت ، لا يفتر عنهم من ذلك شيئا ، فقال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذي تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة ، قال : ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع ، وعلى أدبارهم رقاع ، يسرحون كما تسرح الأنعام على الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها ، قال : ما هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم ، وما ظلمهم اللّه ، وما اللّه بظلّام للعبيد ، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم من قدر نضيج ولحم آخر خبيث ، فجعلوا يأكلوا من الخبيث ويدعون النضيج الطيب ، فقال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هذا الرجل يقوم وعنده امرأة حلالا طيبا فيأتي المرأة الخبيثة فتبيت معه حتى يصبح ، ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها شيء إلا قصعته ، يقول اللّه تعالى وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ « 4 » . ثم مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها ، قال : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا رجل من أمتك عليه أمانة لا يستطيع أداءها وهو يزيد عليها ، ثم أتى على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من حديد ، كلما قرضت عادت كما كانت ، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء ، قال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء خطباء الفتنة ، ثم أتى على حجر صغير يخرج منه نور عظيم ، فجعل النور يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع ، قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : « هذا الرجل يتكلم بالكلمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع » وذكر الحديث « 5 » .

--> ( 1 ) نقص في المطبوع . ( 2 ) وردت في المطبوع : المجاهدون ، والتصويب من الدلائل . ( 3 ) سورة سبأ ، الآية 39 . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية 86 . ( 5 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 2 / 397 ) .