ابن قيم الجوزية
92
الروح
وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو « 1 » ويحيى بن كامل وهو قول المريبي ، فهذه أقوال أهل الخزية والضلالة . فصل [ عذاب البرزخ ] ومما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ ، فكل من مات وهو مستحق العذاب ناله نصيبه منه ، قبر أو لم يقبر ، فلو أكلته السباع وأحرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر ، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور . ( وفي صحيح البخاري ) عن سمرة بن جندب قال : كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال : « من رأى منكم الليلة رؤيا ؟ » قال : فإن رأى أحد رؤيا قصها ، فيقول ما شاء اللّه ، فسألنا يوما فقال : « هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ » قلنا : لا ، قال : لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة ، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب « 2 » حتى يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله ، قلت له : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بصخرة أو فهر « 3 » فيشدخ بها رأسه فإذا ضربة تدهده « 4 » الحجر ، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه ، وعاد رأسه كما هو ، فعاد إليه فضربه ، قلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا إلى نقب مثل التنور « 5 » أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار ، فإذا فيه رجال ونساء عراة ، فيأتيهم اللهب من تحتهم ، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجوا ، فإذا خمدت رجعوا ، فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم ،
--> ( 1 ) هو ضرار بن عمرو المتكلم أحد شيوخ المعتزلة ، وكانت فيه ثلاثة أعاجيب : كان معتزليا كوفيا ، وكان عربيا شعوبيا ، وزوج ابنته من علج أسلم ، وكان يختلف إليه ، ومات بالدماميل وله تسعون سنة . ( 2 ) الكلّوب مثل تنوّر ، والكلّاب مثل تفّاح ، وهي خشبة في رأسها عقافة منها أو من حديد . ( 3 ) الفهر : الحجر - يذكر ويؤنث - وهو حجر ناعم صلب ، يسحق به الصيدلي الأدوية ، والجمع أفهار وفهور ، والفهرة القطعة من الحجر . ( 4 ) أي تدحرج . ( 5 ) التنور : هو الذي يخبز فيه ، وافقت فيه لغة العرب لغة الأعاجم . قال أبو حاتم : ليس بعربي صحيح ، والجمع تنانير .