ابن قيم الجوزية

76

الروح

ففيه أن الأرواح تعاد إلى القبر ، وأن الملكين يجلسان الميت ويستنطقانه ( ثم ساقه ) ابن منده من طريق محمد بن سلمة عن خصيف الجزري عن مجاهد عن البراء بن عازب قال : كنا في جنازة رجل من الأنصار ، ومعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد ، ووضعت الجنازة ، وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : « إن المؤمن إذا احتضر أتاه ملك الموت في أحسن صورة وأطيبه ريحا فجلس عنده لقبض روحه ، وأتاه ملكان بحنوط من الجنة ، وكفن من الجنة ، وكانا منه على بعيد ، فاستخرج ملك الموت روحه من جسده رشحا ، فإذا صارت إلى ملك الموت ابتدرها الملكان ، فأخذاها منه فحنطاها بحنوط من الجنة ، وكفناها بكفن من الجنة ، ثم عرجا به إلى الجنة ، فتفتح له أبواب السماء ، وتستبشر الملائكة بها ، ويقولون : لمن هذه الروح الطيبة التي فتحت لها أبواب السماء ؟ ويسمى بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا ، فيقال : هذه روح فلان ، فإذا صعد بها إلى السماء شيعها مقربو كل سماء ، حتى توضع بين يدي اللّه عند العرش ، فيخرج عملها من عليين ، فيقول اللّه عز وجل للمقربين : اشهدوا أني قد غفرت لصاحب هذا العمل ويختم كتابه فيرد في عليين ، فيقول اللّه عز وجل : ردوا روح عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني أردهم فيها ، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى « 1 » ، فإذا وضع المؤمن في قبره فتح له باب عند رجليه إلى الجنة ، فيقال له : أنظر إلى ما أعد اللّه لك من الثواب ، ويفتح له باب عند رأسه إلى النار ، فيقال له : انظر ما صرف اللّه عنك من العذاب ، ثم يقال له : نم قرير العين فليس شيء أحب إليه من قيام الساعة » ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا وضع المؤمن في لحده تقول له الأرض : إن كنت لحبيبا إلي وأنت على ظهري فكيف إذا صرت اليوم في بطني ، سأريك ما أصنع بك ، فيفسح له في قبره مد بصره » ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا وضع الكافر في قبر أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، فيقولان له : لا دريت ، فيضربانه ضربة فيصير رمادا ، ثم يعاد فيجلس ، فيقال له : ما قوله في هذا الرجل ؟ فيقول : أي رجل ، فيقولان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فيقول :

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية 55 .