ابن قيم الجوزية
72
الروح
ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا : هذه الرؤية إنما هي لأرواحهم دون أجسادهم ، والأجساد في الأرض قطعا ، إنما تبعث يوم بعث الأجساد ، ولم تبعث قبل ذلك ، إذ لو بعثت قبل ذلك لكانت قد انشقت عنها الأرض قبل يوم القيامة ، وكانت تذوق الموت عند نفخة الصور ، وهذه موتة ثالثة ، وهذا باطل قطعا ، ولو كانت قد بعثت الأجساد من القبور لم يعدهم اللّه إليها بل كانت في الجنة ، وقد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه حرم الجنة على الأنبياء حتى يدخلها هو ، وهو أول من يستفتح باب الجنة ، وهو أول من تنشق عنه الأرض على الإطلاق لم تنشق عن أحد قبله » . ومعلوم بالضرورة أن جسده صلى اللّه عليه وآله وسلم في الأرض طري مطرا ، وقد سأله الصحابة : كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ فقال : « إن اللّه قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء » « 1 » . ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب . وقد صح عنه أن اللّه وكّل بقبره ملائكة يبلغونه عن أمته السلام . وصح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر وقال : « هكذا نبعث » . هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى عليين مع أرواح الأنبياء . وقد صح عنه أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره ليلة الإسراء ، ورآه في السماء السادسة أو السابعة ، فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره ويرد سلام من سلّم عليه ، وهي في الرفيق الأعلى . ولا تنافي بين الأمرين ، فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان ، وأنت تجد
--> ( 1 ) روى الإمام أحمد في مسنده ( 4 / 8 ) عن أوس بن أوس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة وفيه الصعقة ، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي » فقالوا : يا رسول اللّه : وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت - يعني وقد بليت - قال : « إن عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء » صلوات اللّه عليهم .