ابن قيم الجوزية

39

الروح

نفس كل ميت سواء مات في النوم أو في اليقظة ، ويرسل نفس من لم يمت فقوله : يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها يتناول من مات في اليقظة ومن مات في المنام . وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي ، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل ، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه ، وربما أخبره بدين عليه وذكر له شواهده وأدلته . وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين ، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر ، وربما أخبره عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره ، وقد ذكرنا قصة الصعب بن جثامة وقوله لعوف بن مالك ما قال له ، وذكرنا قصة ثابت بن قيس بن شماس وأخباره لمن رآه تدعه وما عليه من الدين . وقصة صدقة بن سليمان الجعفري وأخبار ابنه له بما عمل من بعده ، وقصة شبيب بن شيبة وقول أمه له بعد الموت : جزاك اللّه خيرا حيث لقنها لا إله إلا اللّه ، وقصة الفضل بن الموفق مع ابنه وإخباره إياه بعلمه بزيارته . وقال سعيد بن المسيب : التقى عبد اللّه بن سلام وسلمان الفارسي فقال أحدهما للآخر : إن مت قبلي فالقني فأخبرني ما لقيت من ربك ، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك ، فقال الآخر : وهل تلتقي الأموات والأحياء ؟ قال : نعم أرواحهم في الجنة تذهب حيث تشاء ، قال : فمات فلان فلقيه في المنام فقال : توكل وأبشر فلم أر مثل التوكل قط . وقال العامر بن عبد المطلب : كنت أشتهي أن أرى عمر في المنام فما رأيته إلا عند قرب الحول فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول : هذا أوان فراغي إن كاد عرشي ليهد لولا أن لقيت رؤوفا رحيما . ولما حضرت شريح بن عابد الثمالي الوفاة دخل عليه غضيف بن الحارث وهو يجود بنفسه فقال : يا أبا الحجاج إن قدرت على أن تأتينا بعد الموت فتخبرنا بما ترى فافعل قال : وكانت كلمة مقبولة في أهل الفقه قال : فمكث زمانا لا يراه ثم رآه في منامه فقال له : أليس قد مت ؟ قال : بلى ، قال : فكيف حالك ؟ قال : تجاوز