ابن قيم الجوزية

354

الروح

بالشكوى إليه في قوله مَسَّنِيَ الضُّرُّ ، وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل والنبي إذا قال وفي مع قوله إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ « 1 » ، ولم يجعل ذلك نقصا لصبره . ولا يلتف أن غير هذا من ترهات القوم ، كما قال بعضهم لما قال : مَسَّنِيَ الضُّرُّ « 2 » . قال تعالى : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً « 3 » ولم يقل صبورا حيث قال مسّني الضر . وقال بعضهم لم يقل ارحمني وإنما قال أنت أرحم الراحمين فلم يزد على الإخبار بحاله ووصف ربه ، وقال بعضهم إنما شكا مس مضر حين ضعف لسانه عن الذكر فشكا مس ضر ضعف الذكر لا ضر المرض والألم . وقال بعضهم استخرج منه هذا القول ليكون قدوة للضعفاء من هذه الأمة ، وكأن هذا القائل رأى أن الشكوى إلى اللّه تنافي الصبر وغلط أقبح الغلط فالمنافي للصبر شكواه لا الشكوى إليه فاللّه يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه ولا يحب التجلد عليه وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره فاحذر كل الحذر إظهار التجلد عليه وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم . فصل [ الفروق الطول ] وهذا باب من الفروق الطول ولعل إن ساعد القدر أن نفرد فيه كتابا كبيرا وإنما نبهنا بما ذكرنا على أصوله واللبيب يكتفي ببعض ذلك والدين كله فرق وكتاب اللّه فرقان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فرق بين الناس ومن اتقى اللّه جعل له فرقانا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً « 4 » وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرّق بين أولياء اللّه وأعدائه فالهدى كله فرقان ، والضلال أصله الجمع كما جمع المشركون بين عبادة اللّه وعبادة الأوثان ومحبته ومحبة الأوثان وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه فجعلوا الأمر واحد واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه وجمعوا بين الربا والبيع فقالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا « 5 » وجمعوا بين المذكى والميتة ، وقالوا : كيف نأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل اللّه ،

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية 83 . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية 86 . ( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية 83 . ( 4 ) سورة الأنفال ، الآية 29 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية 275 .