ابن قيم الجوزية
351
الروح
قَواماً « 1 » ، وقال تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ « 2 » . وقال تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا « 3 » والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل والسنّة قصد بين البدع ودين اللّه بين الغالي فيه والجافي عنه وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر ، والغلو مجاوزته وتعديه ، وما أمر اللّه بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان فإما إلى غلو ومجاوزة وإما إلى تفريط وتقصير هما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير وخوفوا من بلى بأحدهما بالهلاك وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه والمهدي من هدى اللّه . فصل [ الفرق بين النصيحة والتأنيب ] والفرق بين النصيحة والتأنيب أن النصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقّة ومراد الناصح بها وجه اللّه ورضاه والإحسان إلى خلقه فيتلطف في بذلها غاية التلطف ويحتمل أذى المنصوح ولائمته ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق للمريض المشبع مرضا وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن فهذا شأن الناصح . وأما المؤنب فهو رحل قصده التعبير والإهانة وذم من أنّبه وشتمه في صورة النصح فهو يقول له يا فاعل كذا وكذا يا مستحقا للذم والإهانة في صورة ناصح مشفق ، وعلامة هذا أنه لو رأى من يحبه ويحسن إليه على مثل عملي هذا أو شر منه لمن يعرض له ولم يقل له شيئا ويطلب له وجوه المعاذير فإن غلب قال وإني ضمنت له العصمة والإنسان عرضة للخطأ ومحاسنه أكثر من مساويه واللّه غفور رحيم ونحو ذلك فيا عجبا كيف كان هذا لمن يحبه دون أن يبغضه وكيف كان حظ
--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآية 67 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية 29 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية 31 .