ابن قيم الجوزية

346

الروح

وهذا بخلاف طلب الرئاسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا اللّه من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق اللّه وتعظيم من حقره اللّه واحتقار من أكرمه اللّه ولا تتم الرئاسة الدنيوية إلا بذلك ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد والرؤساء في عمى عن هذا فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه ولا سيما إذا حشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا كما صغروا أمر اللّه وحقروا عباده . فصل الفرق بين الحب في اللّه والحب مع اللّه وهذا من أهم الفروق ، وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا ، فالحب في اللّه هو من كمال الإيمان والحب مع اللّه هو عين الشرك . والفرق بينهما أن المحب في الحب تابع لمحبة اللّه فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه اللّه فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه ، كما يحب رسله وأنبيائه وملائكته وأوليائه لكونه تعالى يحبهم ، ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى يبغضهم وعلامة هذا الحب والبغض في اللّه أنه لا ينقلب بغضه لبغض اللّه حبا لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه ، ولا ينقلب حبه لحبيبه اللّه بغضا إذا وصل إليه من جهته ما يكرهه ويؤلمه ، إما خطأ وإما عمدا مطيعا للّه فيه أو متأولا أو مجتهدا أو باغيا نازعا بائنا ، والدين كله يدور على أربع قواعد حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك ، فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه للّه فقد استكمل الإيمان بحيث إذا أحب أحب اللّه وإذا أبغض أبغض اللّه وإذا فعل فعل للّه وإذا ترك ترك اللّه ، وما نقص من أصنافه هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه يحسبه . وهذا بخلاف الحب مع اللّه فهو نوعان يقدح في أصل التوحيد وهو شرك ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة اللّه ولا يخرج من الإسلام . فالأول : كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم قال تعالى :