ابن قيم الجوزية
336
الروح
أهل لما أولاه من النعم مع كفره باللّه ثم زاد في غروره فقال : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى 1 يعني الجنة والكرامة فكذا تكون الغرة باللّه فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده وأمانيه وقد ساعد اغتراره بدنياه ونفسه فلا يزال كذلك حتى يتردى في آبار الهلاك . فصل [ الفرق بين الرجاء والتمني ] والفرق بين الرجاء والتمني : إن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز . والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ فطوى سبحانه بساقي الرجاء إلا عن هؤلاء . وقال المغترون : إن الذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه واتبعوا ما أسخطه وتجنبوا ما يرضيه أولئك يرجون رحمته ، وليس هذا ببدع من غرور النفس والشيطان لهم فالرجاء لعبد قد امتلأ قلبه من الإيمان باللّه واليوم الآخر فمثل بين عينيه ما وعد اللّه تعالى من كرامته وجنته امتد القلب مائلا إلى ذلك شوقا إليه وحرصا عليه في شبيه بالماد عنقه إلى مطلوب قد صار نصب عينيه . وعلامة الرجاء الصحيح أن الراجي يخاف قوت الجنة وذهاب حظه منها بترك ما يخاف أن يحول بينه وبين دخولها فمثله مثل رجل خطب امرأة كريمة في منصب وشرف إلى أهلها فلما آن وقت العقد واجتماع الأشراف والأكابر وإتيان الرجل إلى الحضور أعلم عشية ذلك اليوم ليتأهب للحضور فتراه المرأة وأكابر الناس فأخذ في التأهب والتزين والتجميل فأخذ من فضول شعره وتنظف وتطيب ولبس أجمل ثيابه وأتى إلى تلك الدار متقيا في طريقه كل وسخ ودنس وأثر يصيبه أسد تقوى حتى الغبار والدخان وما هو دون ذلك ، فلما وصل إلى الباب رحب به ربها ومسكن له في صدر الدار على الفرش والوسائد ورمقته العيون وقصد بالكرامة من كل ناحية فلو أنه ذهب بعد أن أخذ هذه الزينة فجلس في المزابل وتمرغ عليها وتمعك بها وتلطخ في بدنه وثيابه عليها من عذرة وقذر ودخل ذلك في شعره وبشره وثيابه فجاء