ابن قيم الجوزية
334
الروح
افرس منك ومن ابنك المغيرة بن شعبة فحسر عن ذراعه وصك بها أنف الرجل فسال الدم فجاء قومه إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقالوا : أقدنا من المغيرة ، فقال : أنا أقيدكم من وزعة اللّه ؟ لا أقيدكم منه فرأى أبو بكر أن ذلك انتصارا من المغيرة وحمية للّه وللعز الذي أعز به خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليتمكن بذلك العز من حسن خلافته وإقامة دينه ، فترك قوده لاجترائه على عز اللّه وسلطانه الذي أعز به رسوله ودينه وخليفته فهذا لون والضرب حمية للنفس الأمّارة لون . فصل [ الفرق بين سلامة القلب والبله والغفل ] والفرق بين سلامة القلب والبله والغفل أن سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته به ، وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة . وهذا لا يحمد إذ هو نقص وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه ، والكمال أن يكون القلب عارفا بتفاصيل الشر سليما من إرادته قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لست بخب ولا يخدعني الخب وكان عمر أعقل من أن يخدع ، وأروع من أن يخدع وقال تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 1 » ، فهذا هو السليم من الآفات التي تعتري القلوب المريضة من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن ومرض الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الأنفس فالقلب السليم الذي سلم من هذا وهذا . فصل [ الفرق بين الثقة والغرّة ] والفرق بين الثقة والغرة : إن الثقة سكون يستند إلى أدلة وأمارات يسكن القلب إليها فكلما قويت تلك الأمارات قويت واستحكمت ولا سيما على كثرة التجارب وصدق الفراسة واللفظة كأنها واللّه أعلم من الوثاق وهو الرباط فالقلب قد ارتبط بمن وثق به توكلا عليه وحسن ظن به فصار في وثاق محبته ومعاملته والاستناد إليه والاعتماد عليه فهو في وثاقه بقلبه وروحه وبدنه فإذا سار القلب إلى اللّه وانقطع إليه تقيد بحبه وصار في وثاق العبودية فلم يبق له مفزع في النوائب ولا ملجأ غيره
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، الآية 89 .