ابن قيم الجوزية

328

الروح

يفيده محبته له فإذا أحبه قرب من سمعه وبصره ويده ورجله فسمع به وأبصر به وبطش به ومشى به فصار قلبه كالمرآة الصافية تبدو فيها صور الحقائق على ما هي عليه فلا تكاد تخطىء له فراسة فإن العبد إذا أبصر باللّه أبصر الأمر على ما هو عليه ، فإذا سمع باللّه سمع على ما هو عليه ، وليس هذا من علم الغيب بل علّام الغيوب قذف الحق في قلب قريب مستبشر بنوره غير مشغول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصول صور الحقائق فيه وإذا غلب على القلب النور فاض على الأركان وبادر من القلب إلى العين فكشف بعين بصره يحسب ذلك النور وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يرى أصحابه به في الصلاة وهم خلفه كما يراهم وهم أمامه ، ورأى بيت المقدس عيانا وهو بمكة ، ورأى قصور الشام ، وأبواب صنعاء ، ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق ، ورأى أمراءه بمؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة ، ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو بالمدينة فخرج إلى المصلي فصلى عليه ، ورأى عمر سارية بنهاوند من أرض فارس هو وعساكر المسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه يا سارية الجبل ، ودخل عليه نفر من مذحج فيهم الأشتر النخعي فصعد فيه البصر وصوبه وقال أيهم هذا ؟ قال مالك بن الحارث فقال ما له قاتله اللّه إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا . ودخل عمرو بن عبيد على الحسن فقال هذا سيد الفتيان إن لم يحدث . وقيل إن الشافعي ومحمد بن الحسن جلسا في المسجد الحرام فدخل رجل فقال محمد أتفرس أنه نجار ، فقال الشافعي أتفرس أنه حداد ، فسألاه فقال كنت حدادا وأنا اليوم أنجر ، ودخل أبو الحسن البوسنجي والحسن الحداد على أبي القاسم المناوي يعودانه فاشتريا في طريقهما بنصف درهم تفاحا نسيئة فلما دخلا عليه قال ما هذه الظلمة ؟ فخرجا وقالا ما علمنا لعل هذا من قبل ثمن التفاح فأعطيا القمن ثم عادا إليه وقع بصره عليهما فقال يمكن الإنسان أن يخرج من الظلمة بهذه السرعة ؟ أخبراني عن شأنكما فأخبراه بالقصة فقال نعم كان كل واحد منكما يعتمد على صاحبه في إعطاء الثمن والرجل مستح منكما في التقاضي ، وكان بين أبي زكريا النخشبي وبين امرأة سبب قبل توبته فكان يوما واقفا على رأس أبي عثمان الحيري فتفكر في شأنها فرفع أبو عثمان إليه رأسه وقال ألا يستحي ، وكان شاه الكرماني جيد الفراسة لا تخطىء فراسته وكان يقول من غض بصره عن المحارم وأمسك