ابن قيم الجوزية
325
الروح
والغبار والطبوع وأنواع الآثار إبقاء على بياضه ونقائه فتراه صاحب تغرر وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث فلا يمسح بأثر ولا طبع ولا لوث يعلو ثوبه وإن أصابه شيء من ذلك على غرة بادر إلى قلعه وإزالته ومحو أثره . وهكذا الصائن لقلبه ودينه تراه يجتنب طبوع الذنوب وآثارها فإن لها في القلب طبوعا وآثارا أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي البياض ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع ، فتراه يهرب من مظان التلوث ويحترس من الخلق ويتباعد من تخالطهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين ونحوهم . بخلاف صاحب العلو فإنه وإن شابه هذا في تحرزه وتجنبه فهو يقصد أن يعلو رقابهم ويجعلهم تحت قدمه ، فهذا لون وذاك لون . فصل [ الفرق بين الشجاعة والجرأة ] والفرق بين الشجاعة والجرأة ( أن الشجاعة ) من القلب وهي ثباته واستقراره عند المخاوف وهو خلق يتولد من الصبر وحسن الظن فإنه متى ظن الظفر وساعده الصبر ، ثبت كما أن الجبن يتولد من سوء الظن وعدم الصبر فلا يظن الظفر ولا يساعده الصبر وأصل الجبن من سوء الظن ووسوسة النفس بالسوء وهو ينشأ من الرئة فإذا ساء الظن ووسوست النفس بالسوء انتفخت الرئة فزاحمت القلب في مكانه وضيقت عليه حتى أزعجته عن مستقره فأصابه الزلازل والاضطراب لإزعاج الرئة له وتضيقها عليه ولهذا جاء في حديث عمرو بن العاص الذي رواه أحمد وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : شر ما في المرء جبن خالع وشح هالع . فسمى الجبن خالعا لأنه يخلع القلب عن مكانه لانتفاخ السحر وهو الرئة كما قال أبو جهل لعتبة بن ربيعة يوم بدر انتفخ سحرك ، فإذا قلب عن مكانه ضاع تدبير العقل فظهر الفساد على الجوارح فوضعت الأمور على غير مواضعها فالشجاعة حرارة القلب وغضبه وقيامه وانتصابه وثباته فإذا رأته الأعضاء كذلك أعانتها فإنها خدم له وجنود كما أنه إذا ولى ولت سائر جنوده . وأما الجرأة فهي إقدام سببه قلة المبالاة وعدم النظر في العاقبة بل تقدم النفس في غير موضع الأقدام يعرضه عن ملاحظة العارض فأما عليها وإما لها .