ابن قيم الجوزية

323

الروح

اللّه العلو في الأرض هو من تعظيم نفسه وطلب تفردها بالرئاسة ونفاذ الكلمة سواء عز أمر اللّه أو هان بل إذا عارضه أمر اللّه وحقوقه ومرضاته في طلب علوه لم يلتفت إلى ذلك وأهدره وأماته في تحصيل علوه . وكذلك الحمية للّه والحمية للنفس ، فالأولى يثيرها تعظيم الأمر والآمر . والثانية يثيرها تعظيم النفس والغضب لفوات حظوظها فالحمية للّه أن يحمي قلبه له من تعظيم حقوقه وهي حال عبد قد أشرق على قلبه نور سلطان اللّه فامتلأ قلبه بذلك النور فإذا غضب فإنما يغضب من أجل نور ذلك السلطان الذي ألقى على قلبه وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا غضب احمرت وجنتاه وبدا بين عينيه عرق بدره الغضب ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم للّه . وروى زيد بن أسلم عن أبيه موسى بن عمران صلى اللّه عليه وآله وسلم كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا وهذا بخلاف الحمية للنفس فإنها حرارة تهيج من نفسه لفوات حظها أو طلبه فإن الفتنة في النفس والفتنة هي الحريق والنفس ملتظية بنار الشهوة والغضب فإنما هما حرارتان تظهران على الأركان حرارة من قبل النفس المطمئنة أثارها تعظيم حق اللّه وحرارة من قبل النفس الأمّارة أثارها استشعار فوت الحظ . فصل [ الفرق بين الجواد والمسرف ] والفرق بين الجواد والمسرف أن الجواد حكيم يضع العطاء ومواضعه والمسرف مبذر وقد يصادف عطاؤه موضعه وكثيرا لا يصادفه وإيضاح ذلك أن اللّه سبحانه بحكمته جعل في الماء حقوقا وهي نوعان : حقوق موظفة وحقوق ثانية ( فالحقوق الموظفة ) كالزكاة والنفقات الواجبة على من تلزمه نفقته . والثاني : كحق الضيف ومكافأة المهدي وما وقى به عرضه ونحو ذلك فالجواد يتوخى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال طيبة بذلك نفسه راضية مؤملة للخلف في الدنيا والثواب في العقبى فهو يخرج ذلك بسماحة قلب وسخاوة نفس وانشراح صدر بخلاف المبذر فإنه يبسط يده في ماله بحكمة هواه وشهوته جزافا لا على تقدير ولا مراعاة مصلحة وإن اتفقت له فالأول بمنزلة من بذر حبة في