ابن قيم الجوزية
310
الروح
الرب تعالى ونواهيه وأحكامه من الحقوق لكن يحجبه عن حقيقة الإدراك ويقعده عن الاستدراك سنّة القلب وهي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده ، وركد وأخلد إلى نوازع الشهوات فاشتد إخلاده وركوده ، وانغمس في غمار الشهوات ، واستولت عليه العادات ومخالطة أهل البطالات ، ورضي بالتشبه أهل إضاعة الأوقات ، فهو في رقاده مع النائمين ، وفي سكرته مع المخمورين ، فمتى انكشف عن قلبه سنة هذه الغفلة بزجرة من زواجر الحق في قلبه استجاب فيها لواعظ اللّه في قلب عبده المؤمن ، أو همة عليه أثارها معول الفكرة في المحل القابل فضرب بمعول فكره وكبر تكبيرة أضاءت له منها قصور الجنة فقال : ألا يا نفس ويحك ساعديني * بسعي منك في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي * بطيب العيش في تلك العلالي فأثارت تلك الفكرة نورا رأى في ضوئه ما خلق له وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلى دخول دار القرار ، ورأى سرعة انقضاء الدنيا وعلم وفائها لبنيها وقتلها لعشاقها وفعلها بهم أنواع المثلات فنهض في ذلك الضوء على ساق عزمه قائلا : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ « 1 » فاستقبل بقية عمره التي لا قيمة لها مستدركا بها ما فات ، محييا بها ما أمات ، مستقبلا ما تقدم له من العثرات ، منتهزا فرصة الإمكان التي إن فاتت فاته جميع الخيرات . ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وفود نعمة ربه عليه من حين استقر في الرحم إلى وقته وهو ينقلب فيها ظاهرا وباطنا ليلا ونهارا ويقظة ومناما سرا وعلانية فلو اجتهد في إحصاء أنواعها لما قدر ، ويكفي أن أدناها نعمة النفس وللّه عليه في كل يوم أربعة وعشرون ألف نعمة فما أظنك بغيرها . ثم يرى في ضوء ذلك النور أنه آيس من حصرها وإحصائها عاجز عن أداء حقها وإن المنعم بها أن طالبه بحقوقها استوعب جميع أعماله حق نعمة منها فيتيقن حينئذ أنه لا مطمع له في النجاة إلا بعفو اللّه ورحمته وفضله . ثم يرى في ضوء تلك اليقظة أنه لو عمل أعمال الثقلين « 2 » من البر لاحتقرها
--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية 56 . ( 2 ) أي الإنس والجن .