ابن قيم الجوزية

298

الروح

عنصرها ، وما عدم الرائحة لم يدرك بالشم كالنار والحصا والزجاج . وأيضا فالروح هي المدركة لمدارك هذه الحواس بواسطة آلائها فالنفس هي الحاسة المدركة وإن لم تكن محسوسة والأعراض محسوسة والنفس محسة بها ، وهي القابلة لأعراضها المتعاقبة عليها من الفضائل والرذائل كقبول الأجرام لأعراضها المتعاقبة عليها ، وهي المتحركة باختيارها المحركة للبدن قسرا وقهرا . وهي مؤثرة في البدن متأثرة به تألم وتلد وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وتنعم وتيأس وتحب وتكره وتذكر وتنسى وتصعد وتنزل وتعرف وتنكر ، وآثارها من أدل الدلائل على وجودها كما أن آثار الخالق سبحانه دالة على وجوده وعلى كماله فإن دلالة الأثر على مؤثرة ضرورية . وتأثيرات النفوس بعضها في بعض أمر لا ينكره ذو حس سليم ولا عقل مستقيم ولا سيما عند تجردها نوع تجرد عن العلائق والعوائق البدنية فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك ولا سيما عند مخالفة هواها وحملها على الأخلاق العالية من العفة والشجاعة والعدل والسخاء وتجنبها سفساف الأخلاق ورذائلها وسافلها فإن تأثيرها في العالم يقوى جدا تأثيرا بعجز عنه البدن وأعراضه أن تنظر إلى حجر عظيم فتشقه أو حيوان كبير فتتلفه أو إلى نعمة فتزيلها وهذا أمر قد شاهدته الأمم عن اختلاف أجناسها وأديانها وهو الذي سمى إصابة العين فيضيفون الأثر إلى العين وليس لها في الحقيقة وإنما هو للنفس المتكيفة ردية سمية ، وقد تكون بواسطة نظر العين وقد لا تكون بل يوصف له الشيء من بعيد فتتكيف عليه لنفسه بتلك الكيفية فتفسده وأنت ترى تأثير النفس في الأجسام صفرة وحمرة وارتعاشا بمجرد مقابلتها لها وقوتها وهذه وأضعافها آثار خارجة عن تأثير البدن وأعراضه فإن البدن لا يؤثر إلا فيما لاقاه وماسه تأثيرا مخصوصا ولم تزل الأمم تشهد تأثير الهمم الفعّالة في العالم وتستعين بها وتحذر أثرها ، وقد أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يغسل عائن مغابنه ومواضع القذر منه ، ثم يصب ذلك الماء على المعين فإنه يزيل عنه تأثير نفسه فيه ، وذلك بسبب أمر طبيعي اقتضته حكمة اللّه سبحانه ، فإن النفس الأمّارة لها بهذه المواضع تعلق وألف والأرواح « 1 » « 2 »

--> ( 1 ) أي الذي يصيب الناس بعينه . ( 2 ) بطن الفخذ ، وهي قرب مانة .