ابن قيم الجوزية

296

الروح

الإنسان قد يشعر بنفسه من بعض الوجوه دون كلها ويتفاوت الناس في ذلك فمنهم من يكون شعوره بنفسه أتم من غيره بدرجات كثيرة وقد قال تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ « 1 » فهؤلاء نسوا نفوسهم لا من جميع الوجوه بل من الوجه الذي به مصالحها وكمالها وسعاداتها وإن لم ينسوها من الوجه الذي منه شهوتها وحظها وإراداتها فأنساهم مصالح نفوسهم أن يفعلوها ويطلبوها ، وعيوبها ونقائصها أن يزيلوها ويجتنبوها وكمالها الذي خلقت له أن يعرفوه ويطلبوه ، فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هذه الوجهة وإن كانوا عالمين بها من وجوه . فصل قولكم في السادس عشر : لو كانت النفس جسما لوجب ثقل البدن بدخولها فيه لأن من شأنه الجسم إذا زدت عليه جسما آخر أن يثقل به . فهذه شبهة في غاية الثقافة والمحتج بها أثقل وليس كل جسم زيد عليه جسم آخر ثقله فهذه الخشبة تكون ثقيلة فإذا زيد عليها جسم النار خفت جدا وهذا الظرف يكون ثقيلا فإذا دخله جسم الهواء خف . وهذا إنما يكون في الأجسام الثقال التي تطلب المركز والوسط بطبعها وهي تتحرك بالطبع إليه ، وأما الأجسام التي تتحرك بطبعها إلى العلو فلا يعرض لها ذلك بل الأمر فيها بالضد من تلك الأجسام الثقال بل إذا أضيفت إلى جسم ثقيل أكسبته الخفة وقد أخذ هذا المعنى بعضهم فقال : ثقلت زجاجات أتينا فرغا * حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت أن تطير بما حوت * وكذا الجسوم تخفف الأرواح فصل قولكم في السابع عشر : لو كانت النفس جسما لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا تخلو منها من الخفة والثقل والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والنعومة والخشونة . إلى آخره . شبهة فاسدة وحجة داحضة فإنه لا يجب اشتراك الأجسام في جميع الكيفيات والصفات وقد فاوت اللّه سبحانه بين صفاتها وكيفياتها وطبائعها فمنها ما يرى بالبصر ويلمس باليد ، ومنها ما لا يرى ولا يلمس ، ومنها ما

--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية 19 .