ابن قيم الجوزية

28

الروح

فأعطوه إياها ، واعلم أي أخي أنه لم يحدث في أهلي بعد موتي إلا قد لحق بي خبره ، حتى هرة لنا ماتت منذ أيام ، وأعلم أن ابنتي تموت إلى ستة أيام ، فاستوصوا بها معروفا ، فلما أصبحت قلت : إن في هذا لمعلما ، فأتيت أهله فقالوا : مرحبا بعوف أهكذا تصنعون بتركة إخوانكم لم تقربنا منذ مات صعب ، قال : فاعتلت بما يعتل به الناس ، فنظرت إلى الفرن فأنزلته ، فانتشلت ما فيه ، فوجدت الصرة التي فيها الدنانير ، فبعثت بها إلى اليهودي فقلت : هل كان لك على صعب شيء ؟ قال : رحم اللّه صعبا كان من خيار أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هي له ، قلت : لتخبرني ، قال : نعم أسلفته عشرة دنانير فنبذتها إليه ، قال : هي واللّه بأعيانها ، قال : قلت : هذه واحدة . قال : فقلت : هل حدث فيكم حدث بعد موتة صعب ؟ قالوا : نعم ، حدث فينا كذا ، حدث فينا كذا ، قال : قلت : اذكروا ، قالوا نعم ، هرة ماتت منذ أيام ، فقلت هاتان اثنتان . قلت : أين ابنة أخي ؟ قالوا : تلعب ، فأتيت بها فمسستها فإذا هي مجموعة ، فقلت : استوصوا بها معروفا فماتت في ستة أيام . وهذا من فقه عوف رحمه اللّه « 1 » ، وكان من الصحابة حيث نفذ وصية الصعب ابن جثامة بعد موته ، وعلم صحة قوله بالقرائن التي أخبره بها ، من أن الدنانير عشرة وهي في الفرن ، ثم سأل اليهودي فطابق قوله لما في الرؤيا ، فجزم عوف بصحة الأمر فأعطى اليهودي الدنانير ، وهذا فقه إنما يليق بأفقه الناس وأعلمهم ، وهم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ولعل أكثر المتأخرين ينكر ذلك ويقول : كيف جاز لعون أن ينقل الدنانير من تركة صعب وهي لأيتامه وورثته إلى يهودي بمنام . ونظير هذا الفقه الذي خصهم اللّه به دون الناس قصة ثابت بن قيس بن شماس « 2 » ، وقد ذكرها أبو عمر بن عبد البر وغيره قال أبو عمر : أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج ،

--> ( 1 ) هو عوف بن مالك الأشجعي ممن شهد فتح مكة ، توفي سنة ثلاث وسبعين . ( 2 ) خطيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم .