ابن قيم الجوزية

245

الروح

فقوله سبحانه وتعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 1 » وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته معنى واحد في الأصل إلا أن قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مسح ظهر آدم زيادة في الخبر عن اللّه عز وجل ومسحه عز وجل ظهر آدم واستخراج ذريته منه مسح لظهور ذريته واستخراج ذريتهم من ظهورهم كما ذكر تعالى لأنا قد علمنا أن جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه لكن لما كان الطبق الأول من صلبه ثم الثاني من صلب الأول ثم الثالث من صلب الثاني جاز أن ينسب ذلك كله إلى ظهر آدم لأنهم فرعه وهو أصلهم . وكما جاز أن يكون ما ذكر اللّه عز وجل أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم جاز أن يكون ما ذكر صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه استخرجه من ظهر آدم من ذريته إذ الأصل والفرع شيء واحد ، وفيه أيضا أنه عز وجل لما أضاف الذرية إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية وعن آدم كما قال عز وجل : فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ « 2 » والخبر في الظاهر عن الأعناق والنعت للأسماء المكنية فيها وهو مضاف إليها ، كما كان آدم مضافا إليه هناك ، وليسا جميعا بالمقصودين في الظاهر بالخير ، ولا يحتمل أن يكون قوله خاضعين للأعناق ، لأن وجه جمعها خاضعات ومنه قول الشاعر : وتشرق بالقول الذي قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدم فالصدر مذكر ، وقوله شرقت أنت لإضافة الصدر إلى القناة . فصل [ الخلق ثم التصوير ] فهذا بعض كلام السلف والخلف في هذه الآية ، وعلى تقدير فلا تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا ، وإنما غايتها أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم ، ثم ردهم إلى أصلهم إن صح الخبر بذلك ، والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد . وأما استدلال أبي محمد بن حزم بقوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 173 . ( 2 ) سورة الشعراء ، الآية 4 .