ابن قيم الجوزية
23
الروح
يراد به القراءة عند القبر ، والأول أظهر لوجوه : ( أحدها ) أنه نظير قوله : « لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه » « 1 » . ( الثاني ) انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ « 2 » فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءها فإن هذه السورة قلب القرآن ، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر . وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال : كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق ، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال : ( يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) وقضى . ( الثالث ) أن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرءون « يس » عند المحتضر . ( الرابع ) أن الصحابة لو فهموا من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « اقرءوا « يس » عند موتاكم » « 3 » ، قراءتها عند القبر : لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم . ( الخامس ) إن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود ، وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك ، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت . وقد ترجم الحافظ أبو محمد عبد الحق الإشبيلي على هذا فقال : ذكر ما جاء أن الموتى يسألون عن الأحياء ويعرفون أقوالهم وأعمالهم ثم قال : ذكر أبو عمر ابن
--> ( 1 ) أخرجه النسائي في كتاب الجنائز باب تلقين الميت ( 4 / 5 ) وأخرجه ابن ماجة في كتاب الجنائز باب ما جاء في تلقين الميت لا إله إلا اللّه برقم 1444 و 1445 ، وأخرجه الترمذي في كتاب الجنائز باب ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له عنده برقم 976 ، كما أخرجه مسلم في كتاب الجنائز برقم 1 ، وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز باب في التلقين برقم 3117 . ( 2 ) سورة يس ، الآية 26 . ( 3 ) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وابن حبان عن معقل بن يسار رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « يس قلب القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد اللّه والدار الآخرة إلا غفر له ، واقرءوها على موتاكم » .