ابن قيم الجوزية
215
الروح
تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 1 » ، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة ، وهذا الحديث رواه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أبو هريرة وعائشة أم المؤمنين وسلمان الفارسي وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمرو وعلي بن أبي طالب وعمرو بن عبسة رضي اللّه عنهم . الوجه الثاني عشر : أن توصيف الروح بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال ، وهو شأن المخلوق المحدث المربوب قال اللّه تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 2 والأنفس هاهنا هي الأرواح قطعا . وفي الصحيحين من حديث عبد اللّه بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه قال : سرينا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في سفر ذات ليلة ، فقلنا : يا رسول اللّه لو عرست بنا ، فقال : « إني أخاف أن تناموا فمن يوقظنا للصلاة ؟ » فقال بلال : أنا يا رسول اللّه ، فعرس بالقوم فاضطجعوا وأسند بلال إلى راحلته ، فغلبته عيناه ، فاستيقظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد طلع جانب الشمس فقال : « يا بلال أين ما قلت لنا ؟ » فقال : والذي بعثك بالحق ما ألقيت على نومة مثلها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء » 2 فهذه الروح المقبوضة هي النفس التي يتوفاها اللّه حين موتها وفي منامها التي يتوفاها ملك الموت ، وهي التي تتوفاها رسل اللّه سبحانه وهي التي يجلس الملك عند رأس صاحبها ويخرجها من بدنه كرها ويكفنها بكفن من الجنة أو النار ويصعد بها إلى السماء فتصلي عليها الملائكة أو تعلنها وتوقف بين يدي ربها فيقضي فيها أمره ثم تعاد إلى الأرض فتدخل بين الميت وأكفانه فيسأل ويمتحن ويعاقب وينعم ، وهي التي تجعل في أجواف الطير الخضر تأكل وتشرب من الجنة ، وهي التي تعرض على النار غدوا وعشيا ، وهي التي تؤمن وتكفر وتطيع وتعصي . وهي الأمارة بالسوء وهي اللوّامة وهي المطمئنة إلى ربها وأمره وذكره ، وهي
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب الأرواح جنود مجندة ( 4 / 104 ) .