ابن قيم الجوزية

183

الروح

أن ينوي حال الفعل إهداءه إلى الميت ، وإلا لم يصل إليه ، فإذا ساغ له نقل الثواب فأي فرق بين أن ينوي قبل الفعل أو بعده . وأيضا لو ساغ الإهداء أساغ إهداء ثواب الواجبات على الحي ، كما يسوغ إهداء ثواب التطوعات التي يتطوع بها . قالوا : وإن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل ، فإن المقصود منها عين المكلف العامل المأمور المنهي ، فلا يبدل المكلف الممتحن بغيره ، ولا ينوب غيره في ذلك ، إذ المقصود طاعته هو نفسه وعبوديته ، ولو كان ينتفع بإهداء غيره له من غير عمل منه لكان أكرم الأكرمين أولى بذلك ، وقد حكم سبحانه أنه لا ينتفع إلا بسبعة وهذه سنته تعالى في خلقه وقضاؤه كما هي سنته في أمره وشرعه ، فإن المريض لا ينوب عنه غيره في شراب الدواء ، والجائع والظمآن والعاري لا ينوب عنه غيره في الأكل والشرب واللباس ، قالوا : ولو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه . قالوا : ولهذا لا يقبل اللّه إسلام أحد عن أحد ولا صرته عن صرته فإذا كان رأس العبادات لا يصح إهداء ثوابه فكيف فروعها . قال : وأما الدعاء فهو سؤال ورغبة إلى اللّه أن يتفضل على الميت ويسامحه ويعفو عنه ، وهذا إهداء ثواب عمل الحي إليه . قال المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج والعبادات نوعان : نوع لا تدخله النيابة بحال ، كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام ، فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه ولا ينقل عنه ، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد ، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره . ونوع تدخله النيابة كرد الودائع وأداء الديون وإخراج الصدقة والحج ، فهذا يصل ثوابه إلى الميت ، لأنه يقبل النيابة ويفعله العبد عن غيره في حياته ، فبعد موته بالطريق الأولى والأخرى . قالوا : وأما حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه . فجوابه من وجوه : أحدهما : ما قاله مالك في موطئه قال : لا يصوم أحد عن أحد ، قال : وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه .