ابن قيم الجوزية

162

الروح

وقد قال أبو محمد بن حزم : إن ذلك البرزخ الذي رآه فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليلة أسري به عند سماء الدنيا قال : وذلك عند منقطع العناصر ، قال : وهذا يدل على أنها عنده تحت السماء حتى تنقطع العناصر وهي الماء والتراب والنار والهواء . وهو دائما يشنع على من قال قولا لا دليل عليه ، فأي دليل له على هذا القول من كتاب وسنّة ؟ وسيأتي إشباع الكلام على قوله إذ انتهينا إليه إن شاء اللّه تعالى . فإن قيل : فإذا كانت أرواح أهل السعادة عن يمين آدم ، وآدم في السماء الدنيا ، وقد ثبت أن أرواح الشهداء في ظل العرش ، والعرش فوق السماء السابعة ، فكيف تكون عن يمينه ، وكيف يراها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هناك في السماء الدنيا ؟ فالجواب من وجوه . أحدهما : أنه لا يمتنع كونها عن يمينه في جهة العلو كما كانت أرواح الأشقياء عن يساره في جهة السفلى . الثاني : أنه غير ممتنع أن تعرض على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في سماء الدنيا وإن مستقرها فوق ذلك . الثالث : أنه لم يخبر أنه رأى أرواح السعداء جميعا هناك بل قال : فإذا عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة ، ومعلوم قطعا أن روح إبراهيم وموسى فوق ذلك في السماء السادسة والسابعة ، وكذلك الرفيق إلا على أرواحهم فوق ذلك وأرواح السعداء بعضها أعلى من بعض بحسب منازلهم ، كما أن أرواح الأشقياء بعضها أسفل من بعض منازلهم . واللّه أعلم . فصل [ من قال أنها تعود إلى مكانها الذي كانت فيه قبل أن تخلق ] وأما قول أبي محمد حزم إن مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها فهذا بناء منه على مذهبه الذي اختاره وهو أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد وهذا فيه قولان للناس ، وجمهورهم على أن الأرواح خلقت بعد الأجساد والذين قالوا إنها خلقت قبل الأجساد ليس معهم على ذلك دليل من كتاب ولا سنّة ولا إجماع إلا ما فهموه من نصوص لا تدل على ذلك أو أحاديث لا تصح كما احتج به أبو محمد بن حزم من قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ