ابن قيم الجوزية

151

الروح

سوى بشارة صاحبه ، فإذا انتهى به إلى العرش خر ساجدا ، فيقول اللّه عز وجل لملك الموت : انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود « 1 » وطلح منضود « 2 » وظل ممدود « 3 » وماء مسكوب « 4 » . رواه بكر بن خنيس عن ضرار بن عمرو عن يزيد وأبي عبد اللّه . فصل [ هل الأرواح على أفنية القبور ؟ ] وأما قول من قال : الأرواح على أفنية قبورها ، فإن أراد أن هذا أمر لازم لها لا تفارق أفنية القبور أبدا فهذا خطأ ترده نصوص الكتاب والسنّة من وجود كثيرة قد ذكرنا بعضها ، وسنذكر منها ما لم تذكره إن شاء اللّه . وإن أراد أنها تكون على أفنية القبور وقتا ، أولها إشراف على قبورها وهي في مقرها فهذا حق ولكن لا يقال مستقرها أفنية القبور . وقد ذهب إلى هذا المذهب جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر ، قال في كتابه في شرح حديث ابن عمر : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك من طريق الأثر ، ألا ترى أن الأحاديث الدالة على ذلك ثابتة متواترة وكذلك أحاديث السلام على القبور .

--> ( 1 ) قال المفسرون : السدر شجر النبق ، والمخضود الذي خضد أي قطع شوكه . وفي حديث أخرجه الحاكم والبيهقي أن أعرابيا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : يا رسول اللّه ، إن اللّه تعالى ذكر في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ! فقال : « وما هي » ؟ قال : السدر ، فإن له شوكا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أليس اللّه يقول : في سدر مخضود ، خضد اللّه شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة ، وإن الثمرة من ثمره تفتق عن اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر » . ( 2 ) الطلح : هو شجر الموز ، ومعنى منضود أي متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه . ( 3 ) أي في ظل دائم باق ومستمر لا يزول ولا تنسخه الشمس أخرج البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، واقرءوا إن شئتم : وظل ممدود » . ( 4 ) أي وماء جار دائم لا ينقطع ، قال القرطبي : كانت العرب أصحاب بادية ، والأنهار في بلادهم عزيزة ، لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو والرشاء ، فوعدوا بالجنة بأسباب النزهة ، وهي الأشجار وظلالها ، والمياه والأنهار وجريانها .