ابن قيم الجوزية

147

الروح

عبد اللّه بن عمرو : أرواح الشهداء في طير كالزراير « 1 » يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة . قال أبو عمر : هذه الآثار كلها تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم ، وفي بعضها في صور طير ، وفي بعضها في أجواف طير ، وفي بعضها كطير خضر ، قال : والذي يشبه عندي واللّه أعلم أن يكون القول قول من قال كطير أو صور طير لمطابقته لحديثنا المذكور ( يريد حديث كعب بن مالك ) وقوله : فيه نسمة المؤمن كطائر ، ولم يقل في جوف طائر . قال : وروى عيسى بن يونس حديث ابن مسعود عن الأعمش عن عبد اللّه بن مرة عن مسروق عن عبد اللّه كطير خضر . قلت : والذي في صحيح مسلم في أجواف طير خضر . قال أبو عمر : فعلى هذا التأويل كأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر يعلق في شجر الجنة . قلت : لا تنافي بين قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « نسمة المؤمن من طائر يعلق في شجر الجنة » ، وبين قوله : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعد ، بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فمن أهل النار » ، وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه والشهيد ، كما أن قوله : « نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة » ، يتناول الشهيد وغيره ، ومع كونه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ترد روحه أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها . وأما المقعد الخاص به والبيت الذي أعد له فإنه إنما يدخله يوم القيامة ، ويدل عليه أن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعدّ اللّه لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا ، فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش ، فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة ، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك . ونظير هذا أهل الشقاء ، تعرض أرواحهم على النار غدوا وعشيا ، فإذا كان

--> ( 1 ) نوع من العصافير .