ابن قيم الجوزية

141

الروح

وذكر معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أزواج المؤمنين فقال : بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض الجنة تأتي ربها في كل يوم تسلم عليه . ( وقال ) أبو عمر بن عبد البر في شرح حديث ابن عمر : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار يقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إلى يوم القيامة ، قال : وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور ، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك واللّه أعلم ، لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا وأثبت نقلا من غيرها . قال : والمعنى عندي أنها تكون على أفنية قبورها لا على أنها تلزم ولا تفارق أفنية القبور كما قال مالك رحمه اللّه أنه بلغنا أن الأرواح تسرح حيث شاءت . قال : وعن مجاهد أنه قال : الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارق ذلك ، واللّه أعلم . وقالت فرقة : مستقرها العدم المحض ، وهذا قول من يقول : إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه ، فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته ، وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنّة وإجماع الصحابة والتابعين كما سنذكر ذلك إن شاء اللّه ، والمقصود أن عند هذه الفرقة المبطلة أن مستقر الأرواح بعد الموت العدم المحض . وقالت فرقة : مستقرها بعد الموت أرواح أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح فتصير النفس السبعية إلى أبدان السباع ، والكلبية إلى أبدان الكلاب ، والبهيمية إلى أبدان البهائم ، والدنية والسفلية إلى أبدان الحشرات ، وهذا قول المتناسخة منكري المعاد ، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم . فهذا ما تلخص لي من جمع أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت ولا تظفر به مجموعا في كتاب واحد غير هذا البتة ، ونحن نذكر ما أخذ هذه الأقوال وما لكل قول وما عليه ، وما هو الصواب من ذلك الذي دل عليه الكتاب والسنّة على طريقتنا التي منّ اللّه بها وهو مرجو الإعانة والتوفيقة .