ابن قيم الجوزية

134

الروح

( واحتجوا ) بما رواه علي بن معبد عن عائشة رضي اللّه عنها : أنه مر عليها بجنازة صبي صغير فبكت ، فقيل لها : ما يبكيك يا أم المؤمنين ؟ فقالت : هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر . ( واحتجوا ) بما رواه هناد بن السري ، حدثنا أبو معاوية ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : إنه كان ليصلّي على المنفوس وما إن عمل خطيئة قط فيقول : « اللهم أجره من عذاب القبر » . قالوا : واللّه سبحانه يكمل لهم عقولهم ليعرفوا بذلك منزلتهم ، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه . قالوا : وقد دل على ذلك الأحاديث الكثيرة التي فيها أنهم يمتحنون في الآخرة ، وحكاه الأشعري عن أهل السنّة والحديث ، فإذا امتحنوا في الآخرة لم يمتنع امتحانهم في القبور . ( قال الآخرون ) : السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمرسل فيسأل : هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا ؟ فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه ما فكيف يقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ ! ولو رد إليه عقله في القبر فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به ، ولا فائدة في هذا السؤال ، وهذا بخلاف امتحانهم في الآخرة ، فإن اللّه سبحانه يرسل إليهم رسولا ويأمرهم بطاعة أمره وعقولهم معهم فمن أطاعه

--> - سعيد أنه قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط فسمعته يقول : اللهم أعذه من عذاب القبر . أما أبو داود فقد ذكر في كتاب الجنائز باب الصلاة على الطفل ( 3 / 528 ) عن عائشة قالت : مات إبراهيم ابن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد ذكر الخطابي في معالم السنن شارحا هذا الأمر فقال : كان بعض أهل العلم يتأول ذلك على أنه إنما ترك الصلاة عليه لأنه قد استغنى بنبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن قربة الصلاة كما استغنى الشهداء بقربة الشهادة عن الصلاة عليهم ، وقد روى عطاء مرسلا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صلى على ابنه إبراهيم ، وقد روى أبو داود في هذا الباب : حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني عن ابن المبارك عن يعقوب بن القعقاع عن عطاء ، قلت : وهذا أولى الأمرين ، وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالا ، وقد روي أن الشمس قد خسفت يوم وفاة إبراهيم ، فصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم صلاة الخسوف فاشتغل بها عن الصلاة عليه . واللّه أعلم .