ابن قيم الجوزية
126
الروح
على بذل نفسه للّه وتسليمها له وهاج من قبله حمية الغضب للّه ورسوله وإظهار هيئة وإعزاز ، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث يبرز للقتل ، فاستغنى بذلك عن الامتحان في قبره . ( قال ) أبو عبد اللّه القرطبي : إذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أجل خطرا وأعظم أجرا أن لا يفتن ، لأنه مقدم ذكره في التنزيل على الشهداء ، وقد صح في المرابط الذي هو دون الشهيد أنه لا يفتن ، فكيف بمن هو أعلى رتبة منه ومن الشهيد . والأحاديث الصحيحة ترد هذا القول وتبين أن الصديق يسأل في قبره كما يسأل غيره ، وهذا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رأس الصديقين ، وقد قال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أخبره عن سؤال الملك في قبره فقال : وأنا على مثل حالتي هذه ؟ فقال : « نعم » وذكر الحديث . وقد اختلف في الأنبياء : هل يسألون في قبورهم على قولين : وهما وجهان في مذهب أحمد وغيره ، ولا يلزم من هذه الخاصية التي اختص بها الشهيد أن يشاركه الصديق في حكمها ، وإن كان أعلى منه ، فخواص الشهداء قد تنتفي عمن هو أفضل منهم وإن كان أعلى منهم درجة . وأما حديث ابن ماجة : « من مات مريضا مات شهيدا ووقي فتنة القبر » فمن إفراد ابن ماجة ، وفي إفراده غرائب ومنكرات ، ومثل هذا الحديث مما يتوقف فيه ولا يشهد به على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فإن صح فهو مقيد بالحديث الآخر وهو الذي يقتله بطنه ، فإن صح عنه أنه قال : « المبطون شهيد » فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيد واللّه أعلم . وقد جاء فيما ينجي من عذاب القبر حديث فيه الشفاء رواه أبو موسى المديني وبيّن علته في كتابه في الترغيب والترهيب وجعله شرحا له . رواه من حديث الفرج بن فضالة حدثنا أبو جبلة عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ونحن في صفة بالمدينة ، فقام علينا فقال : « إني رأيت البارحة عجبا ، رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه ، فجاء بره بوالديه فرد ملك الموت عنه ، ورأيت رجلا