ابن قيم الجوزية
118
الروح
وهذا نظير قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها » ، ولم يقل : فيأتيه حرها وسمومها ، فإن الذي وصل إليه بعض ذلك وبقي له أكثره ، والذي ذاقه أعداء اللّه في الدنيا بعض العذاب وبقي لهم ما هو أعظم منه . ( ومنها ) قوله تعالى : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ، فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ، وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ، وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ، إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ « 1 » . فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت ، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر ، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية ، إذ هي أهم وأولى بالذكر ، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام ، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام . ( ومنها ) قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي « 2 » وقد اختلف السلف : متى يقال لها ذلك ؟ فقالت طائفة : يقال لها عند الموت ، وظاهر اللفظ مع هؤلاء ، فإنه خطاب للنفس التي تجردت عن البدن وخرجت منه ، وقد فسر ذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بقوله في حديث البراء وغيره : فيقال لها أخرجي راضية مرضيا عنك ، وسيأتي تمام تقرير في هذا في المسألة التي يذكر فيها مستقر الأرواح في البرزخ إن شاء اللّه تعالى وقوله تعالى فَادْخُلِي فِي عِبادِي مطابق لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « اللهم الرفيق الأعلى » « 3 » . وأنت إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلا وتفسيرا لما دل عليه القرآن وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) سورة الواقعة من الآية 83 . ( 2 ) سورة الفجر ، الآية 27 . ( 3 ) أنظر الهامش رقم 2 صفحة 116 .