الشيخ السبحاني
350
رسائل ومقالات
بعد هجرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة ، وكانت على أساس المشاكلة والمماثلة بين كلّ اثنين في الدرجات النفسية ، ولذلك وقعت المؤاخاة فيها بين المهاجرين والأنصار حتّى بين المهاجرين أنفسهم . روى الحاكم في « المستدرك » : أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أصحابه فآخى بين أبي بكر وعمر ، وبين طلحة والزبير ، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، فقال علي عليه السلام : يا رسول اللَّه انّك قد آخيت بين أصحابك فمن أخي ؟ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أما ترضى يا علي أن أكون أخاك ؟ قال ابن عمر : وكان علي جلداً شجاعاً ، فقال علي : بلى يا رسول اللَّه ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « أنت أخي في الدنيا والآخرة » . « 1 » ترى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم يضم الشكل إلى الشكل ويؤلف بينهما ويؤاخي بين أبي بكر وعمر ، وبين طلحة والزبير ، وادّخر صلى الله عليه وآله وسلم علياً لنفسه فخصّه بذلك . وكان من آثار تلك الأُخوة التوارث . ذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا : لمّا قدم النبي المدينة آخى بين المهاجرين وآخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة ، وكانوا يتوارثون وكانوا تسعين نفساً بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار ، وقيل : كانوا مائة ، فلمّا نزل « وَأُولُوا الْأَرْحامِ » * بطلت المواريث فيهم بتلك المؤاخاة . الثالث : انّ الخُلّة المنفية في الحديث الثالث أي ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرض وفاته وقال : « ولو كنت متخذاً خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر ، ولكن أُخوّة الإسلام ومودته » هي الخلّة الخاصة لا الخُلّة العامة وإلّا فهي ثابتة للمؤمنين عامة قال سبحانه : « الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ » « 2 » ، وفي الوقت نفسه
--> ( 1 ) . مستدرك الحاكم : ج 3 ، كتاب الهجرة : ص 14 ؛ فتح الباري : 7 / 271 . ( 2 ) . الزخرف : 67 .