الشيخ السبحاني

304

رسائل ومقالات

تسيل من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد ، فها هو ابن الأثير ( المتوفّى عام 630 ه ) قبل سقوط الخلافة الإسلامية بخمس وعشرين سنة يصف تلك الداهية العظمى بالنحو التالي : « من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك ؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني ، ويا ليتني متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسيّاً إلّا أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثمّ رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً فنقول : هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها ، عمت الخلائق وخصّت المسلمين ، فلو قال القائل : إنّ العالم مذ خلق اللَّه سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتل بمثله لكان صادقاً ، فإنّ التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها - إلى أن قال : هؤلاء لم يُبقوا أحداً ، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال ، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون . فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون ، ثمّ منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلًا ، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلاد الجبل وما فيها من البلاد إلى حدّ العراق ، ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية ويخربون ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلّا الشريد النادر في أقل من سنة ، هذا ما لم يسمع بمثله . « 1 » فها نحن نسأل الكاتب : هل كانت يد العلقمي أو نصير الدين تلعب في هذه الحوادث المرّة تحت الستار ؟ أو أنّ للدمار عللًا تكمن في سيرة الخلفاء

--> ( 1 ) . الكامل في التاريخ : 12 / 358 - 359 . ولكلامه ذيل من أراد فليرجع .