الشيخ السبحاني
243
رسائل ومقالات
إذا اتّفق المجتهدون من أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي ، يكون المجمع عليه حكماً شرعياً واقعياً عند أهل السنّة ولا تجوز مخالفته ، وليس معنى ذلك أنّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكماً شرعياً ، بل يجب أن يكون إجماعهم مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي ، كالخبر الواحد والمصالح المرسلة والقياس والاستحسان . فلو كان المستند دليلًا قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيداً ومعاضداً له ؛ ولو كان دليلًا ظنّياً كما مثلناه ، فيرتقي الحكم حينئذٍ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين . ومثله ما إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة ، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً ، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم ، حتّى صار الأذان الآخر عملًا شرعياً إلهياً وإن لم ينزل به الوحي . « 1 » فلو صحّ ذلك فقد أعطى سبحانه للإجماع واتّفاق الأُمّة منزلة كبيرة على وجه إذا اتّفقوا على أمر ، يُصبح المجمع عليه حكماً شرعياً قطعياً كالحكم الوارد في القرآن والسنّة النبويّة ، ويكون من مصادر التشريع . يلاحظ عليه : أنّه لو كان الإجماع بما هو هو من أدلّة التشريع وأنّ الدليل الظني ببركة الإجماع يرتقي إلى مرتبة القطع واليقين ويكون حجّة في عرض سائر الحجج ، فمعنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي لم يختتم بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأنّ هناك نبوة بعد نبوّته ، وهو على خلاف ما اتّفق المسلمون عليه من إغلاق باب الوحي والتشريع واختتام النبوة ، فلا محيص عن القول إلّا بالرجوع إلى
--> ( 1 ) . الوجيز في أُصول الفقه لابن وهبة الزحيلي : 49 .