الشيخ السبحاني
198
رسائل ومقالات
حكمه بتغير الزمان والمكان ، فما دام هذا الإنسان موجوداً على ظهر هذا الكوكب فالحكم الشرعي يواكب فطرته ولا يشذ عنه قيد شعرة فلا بدّ أن يكون مستمراً ودائماً وأبدياً . نعم قد ثبت في محله أنّ لعنصري الزمان والمكان دوراً في الاستنباط والاجتهاد ، ولكن ذلك لا يعني نسخ الأحكام وإخراجها من الساحة وإحلال حكم آخر مكانها لأجل ذينك العنصرين ، بل بمعنى انّ الحضارة والتقدم قد تؤثر في الموضوع بإخراجه عن موضوع حكم وإدخاله تحت موضوع حكم آخر مع التحفظ على كلا الحكمين في موردهما ولنأت بمثال . إنّ بيع الدم حرام في الفقه الإسلامي لعدم الانتفاع به في أمر محلّل ، إذ كان الانتفاع ربما منحصراً في الأكل ، ولكن التقدم الحضاري مكّن الطبيب من الانتفاع به انتفاعاً حلالًا وذلك في عمليات نقل الدم من إنسان لآخر محتاج إليه في المستشفيات . المناقشة الثالثة إنّ قول الأُستاذ بأنّ الإمام الشافعي لو كان قد عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم لعلّه لو رأى ذلك لغيّر رأيه ، فإنّ ذلك يدفعنا إلى التسليم بضرورة الرجوع إلى المجتهد الحي في عامة المسائل ، وذلك لنفس النكتة الّتي ذكرها الأُستاذ ، ذلك لأنّ فقهاء الإسلام مع الاعتراف بأنّهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، لا فرق بين من لحق بالرفيق الأعلى منهم ، ومن هو حيٌّ يُرزق . لكن المجتهد الحي أعرف بالظروف السائدة في المجتمع ، وانطلاقاً من قول القائل : « الشاهد يرى ما لا يراه الغائب » ، فهو يعرف مقتضيات الزمان والمكان ، على نحو لو كان الفقيه الفقيد حاضراً في هذا الزمان لربما عدل عن رأيه وأفتى