الشيخ السبحاني
17
رسائل ومقالات
الشرع . وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلّق قدرة اللَّه بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس والشياطين وزعمت أنّ جميع ما يصدر عنها ، من خلق العباد واختراعهم . وأمّا أهل السنّة فقالوا : القول بالجبر محال باطل والقول بالاختراع اقتحام هائل ، وإنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد ، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين . فلا يبقى إلّا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد ، وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد ، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلّقهما فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال . « 1 » ولكن الغزالي وأمثاله ممّن انتحلوا تأثير قدرة العبد في الكسب لم يأتوا بشيء واضح حول مفاد الكسب ، وأقصى ما قالوه فيه هو أنّ الشيء وقع من المكتسب له بقوة محدثة . وعندئذٍ يتوجه إليه السؤال التالي : هل الكسب الّذي يحدثه العبد هو أمر وجودي أو عدمي ، فلو كان عدمياً فلا معنى للعقوبة والمجازاة على الأمر العدمي ، وإن كان أمراً وجودياً يكون ممكناً والممكن يجب أن يكون له خالق وليس له خالق إلّا العبد ، فعاد محذور الثنوية . وحصيلة الكلام في المقام : أنّ من تكلّم في أفعال العبد من المجبرة والمعتزلة والأشاعرة قد أخضعوا القاعدة ( امتناع اجتماع القادرين على مقدور واحد ) إلى عقائدهم .
--> ( 1 ) . الاقتصاد في الاعتقاد : 117 - 118 .