الشيخ السبحاني

151

رسائل ومقالات

الإنصاف ، هو المنطلق في نظرتكم إلى معاوية بن أبي سفيان أيضاً . فيزيد المتفق على فسقه وفجوره ، لم يكن ليقترف ما يقترف من جرائم ، لولا سعي أبيه الجادّ وبكل الوسائل غير النزيهة - كما حفلت بذكر ذلك التواريخ - إلى تنصيبه ملكاً ، وتسليطه على المسلمين . والداهية الكبرى ، هي أنّ أباه كان يعلم علم اليقين بما تنطوي عليه شخصية ولده من رجس ودنس ، ولكنّ عدم مبالاته بالأُمّة واستهزاءه بالشريعة وهواه في ولده ( كما أعرب هو بنفسه عن ذلك بقوله : لولا هواي في يزيد لأبصرت قصدي - أو طريقي - ) « 1 » ، كلّ ذلك وغيره ، هو الّذي دفعه إلى اتخاذ هذا الموقف المُشين . ليت شعري ، هل كان خفيَ عليه ما قاله ولده يزيد في الجيش الّذي أصابه الجوع والمرض عند غزوه للقسطنطينية ، وكان يزيد قد تخلّف عنه ، فأنشأ يقول : ما إن أُبالي بما لاقت جموعهم * بالفرقدونة من حمّى ومن مومِ إذا اتكأتُ على الأنماط مرتفقا * بديْر مرّان عندي أمّ كلثوم « 2 » فطوبى لك يا أبا يزيد ، إذ مكّنتَ يزيد الابنَ المدلّل المائع من العرش ، ليزيد في عدد صفحات حياتك السوداء ، وليكن موبقة من موبقاتك الكثيرة ، والّتي لم يذكر منها الحسن البصري سوى أربعة ، وكفى بها لمن أبصر واعتبر ، قال رحمه الله : ( أربع خصال كنّ في معاوية ، لو لم تكن فيه إلّا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأُمة بالسيف حتّى أخذ الأمر من غير شورة وفيهم بقايا

--> ( 1 ) . تاريخ مدينة دمشق : 65 / 395 ، برقم 8349 ( ترجمة يزيد ) . ( 2 ) . الكامل في التاريخ : 3 / 458 - 459 ( سنة 49 ه ) ، وفيه : أنّ أُمّ كلثوم امرأته ، وهي ابنة عبد اللَّه بن عامر .