الشيخ السبحاني

99

رسائل ومقالات

علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضاً نحن السكوت عنه ، كما وسعهم السكوت عنه ، ووسعنا ترك الخوض كما وسعهم ترك الخوض فيه ، ولأنّه لو كان من الدِّين ما وسعهم السكوت عنه ، وإن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله كما وسع أُولئك جهله ، لأنّه لو كان من الدين لم يجهلوه ، فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة ، والخوض فيه ضلالة ، فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأُصول . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللَّه عنه : الجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : قلب السؤال عليهم بأن يقال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل أيضاً إنّه من بحث عن ذلك وتكلّم فيه فاجعلوه مبتدعاً ضالًا ، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضُلّالًا ، إذ قد تكلّمتم في شيء لم يتكلّم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وضلّلتم من لم يضلله النبي صلى الله عليه وآله وسلم . الجواب الثاني : أن يقال لهم : إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يجهل شيئاً ممّا ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض ، والحركة والسكون ، والجزء والطفرة ، وإن لم يتكلّم في كلّ واحد من ذلك معيناً ، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة ، غير أنّ هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة ، أُصولها موجودة في القرآن والسنّة جملة غير منفصلة . فأمّا الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن ، وهما يدلّان على التوحيد ، وكذلك الاجتماع والافتراق ، قال اللَّه تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم صلوات اللَّه عليه وسلامه في قصة أُفول الكوكب والشمس والقمر « 1 » وتحريكها من مكان إلى مكان ، ما دلّ على أنّ ربّه عزّ وجلّ لا يجوز عليه شيء من ذلك ، وأنّ من جاز عليه الأُفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله . وأمّا الكلام في أُصول التوحيد فمأخوذ أيضاً من الكتاب ، قال اللَّه

--> ( 1 ) . الأنعام : 75 - 79 .