الشيخ السبحاني

93

رسائل ومقالات

4 . الفتوحات الإسلامية والاحتكاك الثقافي قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم المتحضّرة ، التي كانت تتمتع - وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات - بمناهج فلسفية وآراء كلامية لا يذعن بها الإسلام . وقد كان لذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ ، عاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير ، إلّا أنّ هذا الاحتكاك لم يكن يخلو من مضاعفات ، منها انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط الإسلامية في وقت لم تكن فيه متدرّعة تجاه تلك الشبهات والمشاكل . وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدّة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسسِه ، وكان بين المسلمين من لم يتورّع عن أخذ هاتيك العقائد الفاسدة ، نظراء : عبد الكريم بن أبي العوجاء ، وحمّاد بن عجرد ، ويحيى بن زياد ، ومطيع بن أياس ، وعبد اللَّه بن المقفّع ، إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع ، فأوجد ذلك بلبلة في الأفكار والعقائد بين المسلمين . وثَمَّة أمر ثالث كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة ، وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس ، وقد ذكر النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال : « كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم ، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر ، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي ، وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة ، ثمّ نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج ، وكان أمر