الشيخ السبحاني

82

رسائل ومقالات

ترى أنّ موسى يستدلّ بالدليل والبرهان ويعرّف الربّ سبحانه بقوله : « رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا » وبقوله : « رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ » . ولكن فرعون يتّهمه أوّلًا بالجنون ويقول : « إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ » . ومن المعلوم أنّ المصلحين في العالم يُتّهمون دائماً بالجنون ، لأنّهم يريدون التغيير الجَذريّ في المجتمع والذي يعدّه البسطاء أمراً محالًا ، ويصفون الساعين إليه بالجنون ، ولكن موسى لم يُعر أهمية لهذه التهمة وأعاد برهانه بقوله : « رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ » . فعند ذلك واجهه فرعون بمنطق القوة وقال : « لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ » . ولما أثبت صلته بعالم الغيب بالإتيان بالمعجزة الباهرة وأثبت بوضوح انّه رسول ربّ العالمين ، قابله فرعون بادّعاء أنّ ما أتى به سحر ولا نصيب له من الواقع . 4 . حوار مؤمن آل فرعون مع قومه إنّ الحوار الدائر بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون ورهطه حوار صدر في ظروف عصيبة ، قام به أحد المنتمين إلى فرعون ( كان يُظْهر كفره ويكتُم إيمانه ) ، على مرأى ومسمع من فرعون وملئه ، وفي جوّ مشحون بالت آمر على موسى عليه السلام واستئصال دعوته ، وقد نقل الذكر الحكيم هذا الحوار على طوله في سورة غافر من الآية 26 إلى 45 ، نقتطف منه ما يلي : - فرعون : « ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ » .