الشيخ السبحاني
452
رسائل ومقالات
نظرة في مضمون الحديث نحن لا نناقش سند الحديث ، لأنّه مروي في صحيح البخاري ومسلم وهما فوق أن يناقشا على زعم القوم ، إنّما الكلام في مضمونه حيث إنّه على فرض الصحّة لا يثبت ما رامه القائل من نزاهة القرون الثلاثة الأُولى عن وجود البدعة والتحريف . وذلك لأنّ القرن في اللغة بمعنى النسل . « 1 » وفي هذا المعنى استعمله الذكر الحكيم فقال سبحانه : « فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ » « 2 » . فإذا كان القرن بمعنى النسل ، فلنرجع إلى تفسير الحديث ، المروي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : خير أُمّتي قرني . ثمّ الذين يلونهم . ثمّ الذين يلونهم . على ضوء تفسير القرن بالنسل يكون المراد من قوله « قرني » هو النسل الحاضر والمعاصر للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمنقرض برحيله ، أو بعده بشيء . ويكون المراد من قوله : « ثمّ الّذين يلونهم » هو النسل الثاني بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، كما يكون المراد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ثمّ الذين يلونهم » هو النسل الثالث بعد مضي سبعين سنة - مثلًا - من النسل الثاني . فإذا افترضنا انّ كلّ نسل عاش سبعين سنة ، فإنّ الاستدلال بالرواية لا يصحّ إذن لتنزيه من عاش بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من ( 140 ) سنة . فأين ذلك من صيانة من عاش خلال الثلاثمائة سنة الّتي أعقبت رحلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟ !
--> ( 1 ) . لاحظ كتاب العين للخليل ؛ لسان العرب لابن منظور ، مادة « قرن » . ( 2 ) . الانعام : 6 .