الشيخ السبحاني
401
رسائل ومقالات
سنّة ، وما لم يداوم عليه سُمّي مندوباً . ولذلك نرى ذلك التقسيم الرائج ، أي تقسيم الفعل إلى سنّة وبدعة . وعلى كلّ تقدير فهذا الاتجاه ليس فيه كثير فائدة . الاتجاه الثاني : الّذي يأخذ بالمعنى الرائج في عصر الرسالة وحين نزول القرآن الكريم ، وهو كلّ أمر دخل في الشريعة ولم يكن له رصيد فيها من غير فرق بين العبادات والمعاملات والعاديات . وعلى هذا جرى الإمام الشاطبي في كتابه « الاعتصام » الّذي ألّفه في جزءين ، عقد عامة مباحثه الّتي ترجع إلى البدعة بهذا المعنى . « 1 » وقد عرّف البدعة وفق هذا الاتّجاه وقال : البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية . وقال في إيضاحه : ولمّا كانت الطرائق في الدين تنقسم - فمنها ما له أصل في الشريعة ، ومنها ما ليس له أصل فيها - خصّ منها ما هو المقصود بالحدّ وهو القسم المخترع ، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدّمها من الشارع ، إذ البدعة إنّما خاصّتها أنّها خارجة عمّا رسمه الشارع ، وبهذا القيد انفصلت عن كلّ ما ظهر لبادي الرأي أنّه مخترع ممّا هو متعلّق بالدين ، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأُصول الفقه وأُصول الدين ، وسائر العلوم الخادمة للشريعة . فإنّها وإن لم توجد في الزمان الأوّل فأُصولها موجودة في الشرع ، إذ الأمر بإعراب القرآن منقول ، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنّة فحقيقتها إذاً أنّها فقه التعبّد
--> ( 1 ) . يعدّ الشيخ الشاطبي ( المتوفّى عام 750 ه ) من المفكّرين وصاحب منهج في الفقه الإسلامي ، وله جهود متميزة في إرساء بعض القواعد الفقهية كمقاصد الشريعة وغيرها ، ولكنّه كان مطنباً في الكلام ، وقد خصّص كتابه « الاعتصام » بكلا جزأيه لمباحث البدعة .