الشيخ السبحاني

323

رسائل ومقالات

حيث استولت النواصب على المناصب ، واستعلى أُولئك السفهاء في المجامع والمراتب . « 1 » كما نأسف لسريان هذه الحالة إلى مجال الفروع فإذا بأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة تختلف وتتشاحن وتتنازع ، ونجمت عن ذلك فتنٌ كثيرة دامية بينها . فقد وقعت فتنة بين الحنفية والشافعية في نيسابور ذهب تحت هياجها خلقٌ كثير ، وأُحرقت الأسواق والمدارس وكثُر القتل في الشافعية فانتصروا بعد ذلك على الحنفية وأسرفوا في أخذ الثأر منهم في سنة 554 ه ، ووقعت حوادث وفتنٌ مشابهةٌ بين الشافعية والحنابلة واضطرت السلطات إلى التدخّل بالقوّة لحسم النزاع في سنة 716 ه وكثر القتلُ وحرق المساكن والأسواق في أصبهان ، ووقعت حوادثُ مشابهة بين أصحاب هذه المذاهب وأتباعها في بغداد ودمشق وذهب كلُّ واحد منها إلى تكفير الآخر . فهذا يقول : من لم يكن حنبليّاً فليس بمسلم ، وذاك يغري الجهلة بالطرف الآخر فتقع منهم الإساءة على العلماء والفضلاء منهم وتقع الجرائم الفظيعة . « 2 » يا للَّه ولهذه الدماء المراقة ، والأعراض المهتوكة والأموال المنهوبة وقد صارت ضحيّة التعصّب الممقوت والجهل المطبق بالشريعة السمحة السهلة ، والحنيفية البيضاء . لم يكن الشافعي ولا أحمد مختلفين في الأُصول وأركان الدين ودعائمه بل

--> ( 1 ) . طبقات الشافعية : 3 / 391 . ( 2 ) . راجع : البداية والنهاية لابن كثير : 14 / 76 ؛ مرآة الجنان : 3 / 343 ؛ الكامل لابن الأثير : 8 / 229 ؛ تذكرة الحفّاظ : 3 / 375 ؛ طبقات الشافعية : 3 / 109 ، وغيرها . ولاحظ الإمام الصادق عليه السلام لأسد حيدر ، فقد أشبع المقال في هذا المجال .