الشيخ السبحاني
310
رسائل ومقالات
فقد ندّد سبحانه بالسَّريّة الّتي بعثها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لغاية من الغايات فالتقت برجل صاحب أموال وثروة فحسبوه كافراً ، فأرادوا قتله ، فتكلّم هو بما يدلّ على إسلامه كإلقاء تحية الإسلام إليهم أو النطق بالشهادة ونحوها ، فاعتبرها بعضهم مجرّد كلمات يدفع بها عن نفسه القتل ، فعمدوا إلى قتله ، ولمّا وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم شقّ ذلك عليه ، وأنّب القاتل فقالوا له : إنّما تعوّذ بها من القتل ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقاتل : « هلّا شققت قلبه ؟ » وقد نزل في ذلك قوله سبحانه : « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً » . « 1 » قال ابن كثير : روى الإمام أحمد عن ابن عباس ، قال : مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرعى غنماً له فسلّم عليهم ، فقالوا : لا يسلّم علينا إلّا ليتعوّذ منّا ، فعمدوا إليه فقتلوه ، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزلت هذه الآية : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . . » إلى آخرها . « 2 » وحصيلة الآية : أنّ من أظهر الإسلام ولم يدلّ على أنّه آمن بلسانه دون قلبه ، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، خصوصاً فيما يرجع إلى حقن الدماء وحفظ الأموال . ثمّ إنّه سبحانه نقض منطق القاتل - إنّما تعوّذ بهذه الكلمة لينجو من القتل - بمنطق العقل والوجدان ، فقال : « كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ » أي قد كنتم من قبل في هذه الحالة كهذا الّذي يُسرّ إيمانه ويُخفيه من
--> ( 1 ) . النساء : 94 . ( 2 ) . تفسير ابن كثير : 2 / 363 .